تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عُرِضَتْ عَلَى آدَمَ وأعْلِمتُ مَنْ يُؤْمِنُ ومَنْ يَكْفُرُ» فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا: استهزاءً -: زعم محمدٌ أنه يعلم من يؤمن به، ومَنْ يكفرُ، ممن لم يُخْلَقْ بَعْدُ، ونحن معه، وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ َ فقام على المنبر فحمد اللهَ، وأَثْنَى عليه، ثم قال: «مَا بَالُ أقْوامٍ طَعَنُوا فِي عِلمي، لا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ - فِيمَا بَيْنَكُم وبَيْنَ السَّاعَةِ - إلاَّ نَبَّأتُكمُ بِهِ» فقام عبد الله بن حذافة السهميّ، وقال: مَنْ أبي، يا رسول اللهِ؟ فقال: «حُذَافة» فقام عُمَرُ، فقال: يا رسول الله، رضينا بالله رَبًَّا، وبالإسلامِ دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبك نبيًّا، فاعفُ عنا، عفا الله عنك. فقال النبي ﷺ َ: «فَهَل أنْتُمْ مُنْتَهٌونَ» - مرتين - ثم نزل عن المِنْبَرِ «فأنزل اللهُ هذه الآية.

قوله: ﴿حتى يَمِيزَ﴾ حتى - هنا - قيل: هي الغائية المجرَّدة، بمعنى» إلى «والفعل بعدها منصوب بإضمار» أن «وقد تقدم تحقيقه في» البقرة «.

فإن قيل الغاية - هنا - مشكلة - على ظاهر اللفظ - لأنه يصير المعنى: أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية - وهي التمييز بين الخبيثِ والطَّيِّبِ - ومفهومه أنه إذا وُجِدَت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه.

هذا ظاهرُ ما قالوه من كونها للغاية، وليس المعنى على ذلك قَطْعًا، ويصيرُ هذا نظيرُ قولكَ: لا أكَلِّم زيدًا حتى يقدم عمرو، فالكلام منتفٍ إلى قدوم عمرو.

فالجوابُ عنه:» حَتّى «غاية لمن يفهم من معنى هذا الكلام، ومعناه: أنه - تعالى - يخلص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيثَ من الطيبِ.

وقرأ حمزة [والكسائي]- هنا وفي الأنفال -» يُمَيِّزَ «بالتشديد - والباقون بالتخفيف، وعن ابن كثيرٍ - أيضًا -» يُميز «من» أماز «فهذه ثلاث لغاتٍ، يقال: مَازَه وميَّزه وأمازه. والتشديد والهمزة ليسا للنقل؛ لأنّ الفِعْلَ - قبلهما - مُتَعَد، وإنما» «فعّل» - بالتشديد - و«أفعل» بمعنى: المجرد. وهل «ماز» و«مَيَّز» بمعنًى واحدٍ، أو بمعنيين مختلفين؟ قولان. ثم القائلونَ بالفرق اختلفوا، فقال بعضهم: لا يقال: ماز، إلا في كثير، فأما واحدٌ من واحدٍ فميَّزت، ولذلك قال أبو مُعاذٍ: يقال ميَّزتُ بين الشيئين تَمْييزًا، ومِزْت بين الأشياء مَيْزًا.

وقال بعضُهُمْ عكس هذا - مزت بين الشيئين مَيْزًا، وميَّزت بين الأشياء تمييزًا - وهذا هو القياس، فإنَّ التضعيفَ يؤذن بالتكثير، وهو لائقٌ بالمتعددات، وكذلك إذا جعلتَ الواحد شيئين قلت: فَرَقْت: - بالتخفيف - ومنه: فرق الشعر، وإن جعلته أشياء، قلت: فرَّقْتها تَفْرِيقًا.

ورجَّح بعضُهم «مَيَّز» - بالتشديد - بأنه أكثر استعمالًا، ولذلك لم يستعملوا المصدر إلا منه، قالوا: التمييز، ولم يقولوا: المَيْز - يعني لم يقولوه سماعًا، وإلا فهو جائز قياسًا.

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٦ · الصفحة ٨٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٦ · ص ٨٠