تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجارية فيما بينهم، واستعمال مداراتهم في كثير من الأحوالِ، والأمر بالقتالِ لا ينافي الأمر بالمُصابرة.

التأويل الثاني: أن يكونَ المرادُ من الصَّبرِ والتقوى: الصبر على مجاهدة الكفار ومنابذتهم والإنكار عليهم. فالصبرُ عبارة عن احتمال الأذى والمكروه، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي. وقوله: ﴿فَإِنَّ ذلك مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أي: من صواب التدبير والرشدِ الذي ينبغي لكل عاقلٍ أن يُقْدِمَ عليه.

وقيل: ﴿مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أي: من حق الأمورِ وخَيرها.

وقال عطاءٌ: من حقيقة الإيمان.

في كيفية النظمِ وجهان:

أحدهما: أنه - تعالى - لما حكى عنهم الطَعْنَ في نبوَّتِهِ ﷺ َ وأجاب عن ذلك، بيَّن في هذه الآية التعجُّب من حالهم.

والمعنى: كيف يليق بكم الطعن في نبوَّته ﷺ َ وكتبكم ناطقة بأنه يجب عليكم ذِكْرُ الدلائل الدالة على صِدقه ونبوته؟

ثانيهما: أنه لما أوجب عليه احتمال الأذَى من أهل الكتاب - وكان من جُمْلَة أذاهم كتمانُ ما في التوراة والإنجيل من الدلائلِ الدالةِ على نبوَّتِه، وتحريفها - بيَّن أن هذا من تلك الجملةِ التي يجبُ فيها الصبر.

قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ هذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم. وقرأ أبو عمرو، وابن كثيرٍ، وأبو بكر بالياء، جريًا على الاسم الظاهر - وهو كالغائب - وحَسَّن ذلك قوله - بعده -: «فَنَبَذُوهُ» والباقون بالتاء؛ خطابًا على الحكاية، تقديره: وقلنا لهم، وهذا كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] بالتاء والياء كما تقدم تحريره.

قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ يحتمل وجهين:

أحدهما: واو الحال، والجملة بعدها نصب على الحال، أي: لتبينُنَّه غيرَ كاتمين. الثاني: أنها للعَطْف، والفعل بعدها مُقْسَم عليه - أيضًا - وإنما لم يُؤَكِّدْ بالنون؛ لأنه منفيّ، كما تقول: واللهِ لا يقومُ زيدٌ - من غير نون - وقال أبو البقاء: «ولم يأتِ بها

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٦ · الصفحة ١٠٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٦ · ص ١٠٢