تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكيف بالظرف وشبهه.

والثاني ممتنعٌ أيضًا؛ لأنَّ الأمْرَ ليس واقعًا وَقْتَ الحكم، كذا قاله أبُو حَيَّان وفيه نَظَرٌ وإذا بَطَلَ هذا فالعامِلُ فيه مُقَدَّرٌ يُفَسَِرُهُ ما بَعْدَهُ تَقْدِيره: «وأن تحكموا إذا حكمتم»، و«أن تحكموا» الأخيرة دالة على الأولى.

قوله «بالعدل» يجوزُ فيه وجهان:

أحَدُهُمَا: أنْ يتعلَّقَ ب «تحكموا»، فتكونُ البَاء للتَّعدية، والثانية: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من فاعل تحكموا، فتكونُ الباء للمصاحبة، أي: ملتبسين بالعَدْلِ مصاحبين له.

والمعنيان مُتَقَارِبَان.

فصل

اعْلَمْ أن الأمانة عبارة عن أداء ما وَجَبَ عليك لِغَيْرِكَ، والحكم بالحق عما إذا وجب لإنْسَانٍ على غيره حق، فأمر من وَجَبَ عليه ذلك الحقّ بأن يدفعه إلى مَنْ له ذلك الحق.

ولما كان التَّرْتيب الصَّحيحُ أن يبدأ الإنسان بِنَفْسِهِ في جلب المَنَافِعِ، ودفع المضار، ثم يشتغل بغيره، لا جَرَمَ أمر تعالى بِأدَاءِ الأمَانَةِ أوّلًا، ثم ذكر بعد الأمر الحكم بالحَقّ، وهذا من اللَّطَائِف المودعة في ترتيب القرآن.

فصل في وجوب حكم الإمام بالعدل

أجّمعُوا على أنَّهُ يَجِبُ على الحَكِمِ أنْ يَحْكُم بالعَدْلِ، لهذه الآية، ولقوله تعالى ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠] وقوله ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] وقوله ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ [ص: ٢٦]، وقال - عليه الصلاة والسلام ُ: «لا تَزَالُ هذه الأمَّةُ بخَيْرٍ ما إذَا قَالَتْ صَدَقَتْ، وإذَا حَكَمَتْ عَدَلَتْ وإذَا اسْترْحَمتْ رَحِمَتْ» وقال عليه الصلاة والسلام «المُقْسِطُونَ عِند اللهِ علَى منابر مِنْ نُورٍ عن يمينِ الرَّحمن، وكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ؛ هُمُ الذين يَعْدِلُونَ في حُكْمِهِمْ وأهْلِيهِمْ ما وُلُّوا» وقال عليه الصلاة والسلام «إنَّ أحَبَّ النَّاس إلى اللهِ يومَ الْقِيَامَةِ، وأقْرَبَهَمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إمامٌ عادِلٌ وإنَّ أبْغَضَ النَّاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وأشَدّهُمْ عَذَابًا إمامٌ جَائِرٌ»

وقال عليه الصلاة والسلام «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ القِيَامَةِ أيْنَ الظَّلَمَةُ، فَيُجْمَعُونَ عَلَيْهِ في النَّارِ» .

يحقق ذلك قوله تعالى ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] وقوله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ [إبراهيم: ٤٢] .

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٦ · الصفحة ٤٣٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٦ · ص ٤٣٩