تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي لا يَفْعَلُ إلاَّ الصَّوابَ، وما تَقْتَضِيه الحكمةُ؛ لأنَّهُ قد يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِنْ كَوْنِ الكريمِ الرَّحيمِ يُعَذِّبُ هذا الشخص الضَّعِيفَ إلى هذا الحدِّ العَظيمِ أبَدَ الآبادِ.

فقيل: ليس هذا [بَعِجب]؛ لأنه القادِرُ الغَالِبُ، فكما أنه رحيمٌ فهو أيضًا حَكِيمٌ، والحكمةُ تَقْتَضِي ذلك.

قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا﴾ .

تعلمْ أنَّ الوعْدَ والوعيدَ مُتلازِمَانِ في الذِّكْرِ غَالِبًا، فإنَّ عَادَة القرآنِ إذا ذَكَرَ الوعِيدَ أنْ يذكر مَعَهُ الوَعْدَ.

قوله: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ:

أظهرُهَا: أنه مبتدأٌ، وخبرُهُ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ .

والثاني: أنَّه في مَحلِّ نَصْبٍ؛ عَطْفًا على اسْمِ «إنَّ» وهُوَ ﴿الذين كَفَرُواْ﴾، والخَبَرُ أيْضًا: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ ويصيرُ هذا نَظِير قولِكَ: إنَّ زَيْدًَا قَائِمٌ وعمرًا قَاعِدٌ، فعطفتَ المنصُوبَ على المنصُوبِ، والمرفوعَ على المرفوعِ.

والثالث: أنْ يكونَ في محلِّ رَفْع؛ عطفًا على مَوْضِعِ اسْم «إنَّ»؛ لأن مَحَلَّهُ الرفعُ، قالهُ أبُو البَقَاءِ؛ وفيه نَظَرٌ، مِنْ حَيْثُ الصناعةِ اللَّفْظِيَّةِ، حَيْثُ يُقالُ: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عطفًا على ﴿الذين كَفَرُواْ﴾، وأتى بجملةِ الوعيدِ مُؤكِّدةً ب «إن»؛ تنبيهًا على شِدَّةِ ذلك، وبجملةِ الوَعْدِ حَاليَّةً مِنْه؛ لتحققها وأنه لا إنْكَارَ لذلك، وأتَى فيها بحرفِ التَّنْفِيسِ القَريبِ المدَّة تنبيهًا على قُرْبِ الوَعْدِ.

فصل في أن الإيمان غير العمل

دلت هذه الآيةُ، على أنَّ الإيمانَ غيرُ العَمَلِ؛ لأنه تعالى عَطَفَ العملَ على الإيمانِ، والمعطوفُ مُغَايِرٌ لِلْمَعطُوفِ عليه.

قال القَاضِي: مَتَى ذُكِرَ لفظُ الإيمانِ وَحْدَهُ، دخل فيه العَمَلُ، ومَتى ذُكِرَ مَعَهُ العَمَلُ، كان الإيمانُ هو التَّصْديقَ، وهذا بعيدٌ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الاشتراك، وعدمُ التغييرِ ولوْلاَ أنَّ الأمْرَ كذلك، لخرج القرآنُ عن كونِهِ مُفيدًا، فلَعَلَّ هذه الألفاظَ التي

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٦ · الصفحة ٤٣٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٦ · ص ٤٣٠