تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقال لمن بِه مَرَضٌ: ماذا عليه لَوْ كَانَ صَحِيحًا، ولا يُقَال للمرأة: ماذا عليها لو كَانَت رَجُلًا، وللقَبيح: ماذا عَلَيْه لو كان جميلًا كما لا يَحْسُن هذا القَوْل من العَاقِل، كذلك لا يَحْسُن من الله - تعالى -.

وقال القَاضِي عبد الجَبَّار: لا يُجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتَّصرُّف في الصَّفَقَة، ويَحْبِسهُ بحيث لا يتمكَّنُ من مُفارقة الحَبْس، ثم يقولُ لَهُ: مَاذَا عليك لو تصَرَّفْت، وإذا كان من يَذكر مثل هذا الكلام [سفيهًا] دل ذلك على أنَّه على الله - تعالى - غير جَائِزٍ واعلم أن مِمَّا تمسَّك به المُعْتَزِلة من المَدْح والذَّمِّ والثَّواب والعِقَاب، معارضتهم بمسْألة العِلْم والدَّاعِي.

قال ابن الخَطِيب: قد يَحْسُن منه ما من غيره؛ لأن المُلْك مُلْكُه.

ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِهِم عَلِيمًا﴾ أي: عليم ببواطنِ الأمُور كما هو عَليمٌ بِظَاهِرِها، وهذا كالرَّدْع للمكلَّف عن القَبَائح من أفْعال القُلُوبِ؛ مثل النِّفاق والرِّيَاء والسُّمْعَة.

لمّا بيَّن أنه عَلِيم ببَواطِنِهم وظَواهِرِهم، بيَّن أنَّه كما علمها، لا يَظْلِم مثقال ذرَّة منها.

قوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ فيها وَجْهَان:

أحدهما: أنه مَنْصُوب على أنه نَعءت لمصْدر مَحْذُوف، أي: لا يَظْلِم أحَدًا ظُلْمًَا وَزْن ذَرَّة، فحذف المفْعُول والمَصْدر، وأقام نَعْتَه مَقَامه، ولمّا ذكر أبو البقاء هذا الوَجْه، قَدَّر قبله مُضَافًا مَحْذُوفًَا، قال تقْدِيره: ظلمًا قَدْر مِثْقال ذرَّة، فحذفَ المَصْدر وصِفَتَه، وأقَام المُضَاف إلَيْه مَقَامَه، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن المثْقال نفسه هو قَدَرٌ من الأقْدَار، جُعِل مِعْيَارًا لهذا القَدَر المَخْصُوص.

والثاني: أنه مَنْصُوب على أنه مفعول ثانٍ ل «يظلم»، والأوّل، مَحْذُوف؛ كأنهم ضَمَّنُوا «يظلم» معنى «يغضب» أو «ينقص» فعَدُّوهُ لاثنين، والأصْل أن الله لا يَظْلِمُ أحَدًَا مِثْقَالَ ذَرَّة.

والمِثْقَال مِفْعَال من الثِّقَل، يُقال: هذا على مثال هَذَا، أي: وَزْنه، ومعنى الآيَةِ: أنه - تعالى - لا يَظْلَمِ أحدًا لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، وإنما أخْرَجَهُ على أصْغَر ما يتعارَفَه النَّاس،

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٦ · الصفحة ٣٨٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٦ · ص ٣٨٢