وقال أبو حنيفة: يجوز الرجوع في الهبة إذا كانت لأجنبي، ولا يجوز إذا كانت لذي رحم (1)، واستدل بقوله -: «الوَاهِبُ أَحَقُّ بهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا» (2).
أما ذو الرحم فلا يجوز الرجوع، لأن ذلك من صلته، ولا يجوز قطعها، وأجابوا عن حديث ابن عباس {{بأن المراد التغليظ في الكراهية، لأن الكلب غير متعبد، فالأكل من القيء ليس حراماً عليه، فالتشبيه وقع في أمر مكروه في الطبيعية، لتثبت الكراهة في الشريعة (3).
والقول الأول هو الصحيح، فإن الرجوع مع كونه مصادماً للسُّنة، فهو فاسد، لأن الموهوب له حين قبض العين الموهوبة دخلت في ملكه، وجاز له التصرف فيها، ورجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وأما حمل الحديث على الكراهية فهو مردود من وجهين:
الأول: أنه تأويل مستبعد يرده سياق الحديث.
الثانِي: أنَّ عُرْفَ الشارع في مثل هذا الأسلوب إرادة المبالغة والزجر الشديد.
(1) "المغني" (8/ 277)، "الاستذكار" (22/ 307)، "البحر الرائق" (7/ 494).
(2) أخرجه ابن ماجه (2/ 798)، من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمِّع بن جارية الأنصاري، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً، وهذا إسناد ضعيف، كما سيأتي -إن شاء الله- وانظر: "الإرواء" (6/ 55).
(3) انظر: "شرح معاني الآثار" (4/ 77 - 78).