وهي أَمَانةٌ لا تُضْمَنُ بِغَيرِ تَعَدٍّ ....................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقبول الوديعة مستحب لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها، لأنها من باب إعانة المسلم، والتبرع بحفظ ماله في وقت تشتد حاجته إليه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (1) وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَاللَّهُ فِي عَونِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَونِ أَخِيهِ» (2). ولا شك أن من عون المسلم لأخيه قبول وديعته، ليحفظها له عند احتياجه إلى إيداعها.
قوله: (وهي أَمَانةٌ لا تُضْمَنُ بِغَيرِ تَعَدٍّ) أي: إن الوديعة أمانة في يد المودَع، فإن تلفت بغير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه، وهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، سواء ذهب معها شيء من ماله أم تلفت وحدها، لحديث عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - قال: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلا ضَمَانَ عَلَيهِ» (3)، ولأن المودع أمين، والأمين لا ضمان عليه، لأنه إنما يحفظها لمالكها،
(1) سورة المائدة، الآية (2).
(2) أخرجه مسلم (2699).
(3) أخرجه ابن ماجه (2/ 802)، من طريق أيوب بن سويد، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده به. وهذا إسناد ضعيف -كما قال الحافظ في "التلخيص" (3/ 112)، والألباني في "الإرواء" (2/ 241) لضعف المثنى بن الصباح، قال عنه في "التقريب": "ضعيف اختلط بأَخَرة، وكان عابداً" وذكره الذهبي في "الضعفاء" ص (336)، وقال: "ضعفه ابن معين، وقال النسائي: متروك"اهـ. وأيوب ابن سويد هو الرملي، قال عنه في "التقريب": "صدوق يخطئ" لكن=
= تابع المثنى ابن لهيعة، فيما ذكره البيهقي (6/ 289)، وتابعه محمد بن عبد الرحمن الحجبي عند الدارقطني (3/ 41)، وعند البيهقي (6/ 289)، من طريق يزيد بن عبد الملك النوفلي عنه بلفظ: «لا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» وإسناده ضعيف -كما قال البيهقي- لأن الحجبي ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ويزيد ابن عبد الملك ضعيف، لكن هذه الطرق الثلاث عن عمرو بن شعيب يشد بعضها بعضاً، وتدل على أن عمراً قد حدث بهذا الحديث، لاسيما وقد روي معناه عن جماعة من الصحابة -، ومن ذلك ما أخرجه البيهقي (6/ 289 - 290)، من طريق النضر بن أنس، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ضَمَّنَهُ وديعة سرقت من بين ماله، قال في "الإرواء" (5/ 386): "إسناده صحيح"، قال البيهقي: "يحتمل أنه كان فرط فيها، فضمنها إياه بالتفريط "، والله أعلم.