(تنبيه): لقد اطلعت على موقفين متعارضين من مُعَلِّقُيْن على هذا الحديث، غفلا كلاهما عن خطأ نسبة تضعيف الدارقطني لـ (غطيف بن أعين)، فجاءا بالعجب:
أما أحدهما - وهو الأخ أبو الأشبال الزهيري-؛ فإنه بناءً على التضعيف المزعوم طلع علينا بشيء جديد، وهو أن (غطيفاً) مجهول الحال! لأنه روى عنه أسد بن عمرو والقاسم بن مالك! وهما إنما رويا عن (روح)! وعليه قال: "فقد وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني، فلا أقل من أن يقال فيه: "لا بأس به" مثلأ"!
وهذه تركيبة عجيبة، ظاهرة البطلان، لا حاجة لإطالة الرد عليها!
وأما الآخر؛ فهو المدعو بـ (حسان عبدالمنان)؛ فإنه قال في تعليقه على "إغاثة اللهفان" (2/ 375): "وهذا إسناد ضعيف، غطيف بن أعين ضعيف، وفيه جهالة"!
فقوله: "ضعيف" يشير إلى تضعيف الدارقطني، ولا أصل له كما سبق، على أن جمعه بين وصفه بالضعف ووصفه بالجهالة جمع بين متناقضين، كما بينته في ردي عليه رقم (152)! فلا داعي للإعادة" انتهى كلام الشيخ الألباني.
أقول:
· جمع الشيخ الألباني للزيادات التي في بعض الروايات في مكان واحد مع التنبيه على ذلك خلاف منهج أهل العلم!
أولاً: من منهج الشيخ الألباني أنه لما يخرّج رواية من الروايات يجمع بين متونها! ويبين أن هذه الزيادة لفلان أو لفلان، وهذا بخلاف عمل أهل العلم، فالزيادة توجد عند مصنف وهي غير صحيحة عند إمام من الأئمة، فلا يجوز الجمع بين ذلك، ويجب نقل الروايات كما هي في كتب أهل العلم لئلا يلتبس على بعض الناس فلما ينقلونه من عند الشيخ ويعزونه لبعض المخرّجين ينقلونه بهذه الزيادات وهي غير موجودة عنده دون التنبه أن الشيخ قد نبه إلى أن هذه الزيادة لفلان أو فلان.
وقوله: " [فقلت: إنا لسنا نعبدهم]؟! قال: ... فذكره. والزيادتان للبخاري وغيره"! فيه إيهام أن البخاري خرجه في الصحيح - وإن كان الشيخ قد قال في تخريجه أن البخاري أخرجه في التاريخ - لأنه إذا أطلق أن البخاري أخرجه فالذهن متجه إلى الصحيح لا غيره.
· أحكام الترمذي على الأحاديث واختلاف النسخ!
ثانياً: أورد الشيخ هذا الحديث في سلسلته الصحيحة مع أنه قد ذكر علة الحديث، وهي جهالة (غطيف بن أعين)؛ لأنه اغتر بما نقله عن الترمذي من تحسينه في بعض نسخ كتابه. ثم راح يجيب عن تجهيل الترمذي لغطيف وتحسينه لحديثه هذا!
وهذا جمع بين متناقضين - على حد تعبير الشيخ-!
فالترمذي قد جهله فكيف يحسّن حديثه؟! والذي يتفق مع جهالته عند الترمذي هو تضعيفه له، وهو ما أشار إليه بقوله: "غريب"! وقد يجمع الترمذي الحسن مع الغرابة بقوله: "حسن غريب" ويكون مقبولاً، ولكن هنا لما وصف راويه بالجهالة فلا يتجه الوصف بالحسن هنا.
ثم إن الذي ضبط أحكام الترمذي في كتابه هو الحافظ المزي في «التحفة» ولم يذكر المزي لفظ "حسن" فيه، وإنما نقل عنه كما هو في النسخ المضبوطة التي اعتمدها: "غريب" فقط.
وأما قول الشيخ بأن الترمذي حسنه من أجل الشاهد المرسل الصحيح عن حذيفة!! فهذا ظن وتخمين ليس قائماً على الدليل الرصين. وقد بيّنت أن هذا الشاهد لم يصح عن حذيفة، ولو صح لما كان شاهداً لأصل قصة عدي بن حاتم؛ لأن القصة فيها رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التفسير منسوب لحذيفة! وعلى كل حال فهو لم يصح عن حذيفة.
· منهج الشيخ في تقوية الحديث الضعيف بالضعيف والواهي!!
ثالثاً: أما قوله: "على أن الحافظ ذكر أنه أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن عطاء بن يسار عن عدي بن حاتم؛ فهو بمجموع طرقه حسن إن شاء الله تعالى"! فهو: ما رواه ابن مردويه في «تفسيره» من حديث عمران القطان: حدثنا خالد العبدي عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عدي بن حاتم، فذكره.
وقد بيّنت أن هذا الإسناد ضعيف لا يصح. تفرد به عمران أبو العوام القطان وهو عمران بن داود البصري، وهو ليس بالقوي، ضعّفه أكثر أهل النقد، ولا يحتج بحديثه إذا انفرد به! ولا يُعرف لعطاء بن يسار رواية عن عدي بن حاتم!