الربُّ أيها الإخوة الأكارم هو المُربي ، ولا يتَّضِحُ معنى الربوبيَّة إلا بِمَثَلٍ نضْربه : لو أنَّ مُزارِعاً زرع فسيلَةً ، زرع نباتاً فَعَليه أنْ يسْقيه ، وأن يُمِدَّهُ بالسماد وإذا ظهر عليه مرضٌ فعليه أنْ يُكافِحَ هذا المرض بالمُبيدات ، وعليه أنْ يعرِفَ طبْعَ النبات ، أيُحِبُّ الشمْس الساطعة ؟ أم الشمس المُخَفَّفَة ؟ أم ظلاً ظليلاً ؟ أَتَكون السُّقْيا كُلَّ يوم ؟ أم في الأُسْبوع مَرَّتان أو مَرَّة ؟ فَسَقيُ هذا النبات وتَقْليمُهُ ، وتسْميدُهُ ، ونقْلُهُ من مكانٍ لآخر ، ومُكافحة أمْراضِهِ هذا نَوْعٌ من الترْبِيَة فماذا تحْتاجُ التَّربية ؟ إلى العِلْم ، ما مِن مُرَبٍّ إلا وهو عليمٌ بِطَبيعَة الذي يُرَبيه ، ماذا يحْتاج ؟ وماذا يُصيبُهُ ؟ وكيف تُكافَحُ هذه الأمْراض ؟ ما طبيعة هذا النبات ؟ فالله سبحانه وتعالى لأنَّهُ ربُّ العالمين وَجَبَ أنْ يكون عليماً بِخَلْقِهِ وخبيراً بِهِم، وفَرْقٌ دقيق بين العِلْم والخِبْرة فقد تكون عالِماً ولَكِنَّك لا تسْتطيع أنْ تتنبَّأ بما سَيكون ، وقد تصْنَعُ هذه الأداة ، ولكن لا تعرِفُ أين نِقاطُ ضَعْفِها ، عند الاسْتِعْمال تبْدو لك نِقاط الضَّعْف فَتُقَوِّيها ، فأنت لا تمْلكُ الخِبْرة الكافِيَة ، معنى الخِبْرة : الحقائِق المُسْتَمَدَّة من التجارب الطويلة ، لكنَّ الله سبحانه وتعالى عِلْمُهُ أزَلِّي ، وخِبْرَتُهُ أزَلِيَّة ، فلا بدّ أن يكون ربُّ الناس عالِماً ، ولا بدّ أن يكون ربُّ الناس خبيراً بِهذه النَّفْس ، ولا بدَّ أن يكون قديراً وغَنِياً وحكيماً ، فقد تَصُبُّ على نبْتَةٍ ماءً بقوة فَتَكْسِرُها ! تقول : هي تحتاج إلى الماء ! نعم تحْتاج إلى الماء ولكن إلى ماءٍ خفيف ، لا بد من أنْ يكون عليماً وخبيراً وقديراً وحكيماً ، ولا بدَّ أن يكون إشْرافُهُ مُسْتَمِراً ، فلَوْ غاب صاحبُ هذه الفسيلة ، وسافر ثمَّ عاد ، قد يجِدُها ماتَتْ ! لِسَبَبِ غِيابِهِ عنها
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٩٨٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٩٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي