تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الحقيقة من السَّهْل أنْ تُؤْمِن إذا عَمَّ الإسْلام الأرض ، وإذا أصْبح الإسْلام قَوِياً ، لكنَّ البُطولة أن تؤمن في ساعة العُسْرة ، فأجْرُ الذي يُؤْمن وكُلُّ العالم ضَدَّ الإسْلام ؛ هذا له أجْرٌ كبيرٌ، فَمَتى أقْبل الناسُ عليه ؟ إذا جاء نصْرُ الله والفتْح ، عندها ترى الناس يدْخُلون في دين الله أفْواجاً ، لذلك بعض المذاهب الفِكْرِيَّة حينما كانت ضعيفة ، فالذين اعْتَنقوها حالَ ضعفها وفي بدايتها كانت لهم مكانة كُبْرى ، فإذا أصْبَحَتْ قَوِيَّة فإنَّ الذين يدْخُلون فيها لا قيمة لهم ، فاعْتِناقُ المذْهب وهو في ضَعْفِهِ ؛ هذا إيمانٌ كبير ، لذلك هؤلاء الذين اتَّبعوا النبي عليه الصلاة والسلام في ساعة العُسْرة ؛ كسيّدنا الصِدِّيق لهم مكانتهم في الإسلام ، فأبو سُفْيان أسْلم ودخل الإسْلام ووقف على باب عُمَر ساعات طويلة فلم يُؤْذَن له ، وبِلال وصُهَيْب يدْخُلان بلا اسْتِئذان فَعَظُمَ ذلك عنده ، وعاتَبَ عمر بن الخطاب ، وقال : زعيمُ قُرَيْش أبو سُفيان يقِفُ في بابك ساعاتٍ طِوالاً ، وبِلال وصُهَيْب يدْخُلان بلا اسْتِئذان ! فقال له كلمة واحدة : وهل أنت مثلُهما ؟! هؤلاء اتَّبَعوه في ساعة العُسْرة ، واضْطَهَدَهُم المُشْركون وعذَّبوهم ، وكانوا يَضَعون الصَّخْرة على صدْر بِلال ويقول : أحَدٌ أحد ، جاء الصِدِّيق واشْتراهُ من أُمَيَّة بن خَلَف ، وقال له : والله لو دفَعْتَ به درْهما لَبِعْتُكَهُ ، فقال له الصدِّيق : أما إنك لو طلبْتَ مئة ألف لَاَعْطَيْتُكَها ! نَقَدَهُ الثَّمَن ، ووضَعَ يدهُ تحت إبْطِهِ ؛ رَمْزَ الأُخُوَّة في الدِّين ، مع أن بلالاً عبدٌ حَبَشي ، وسيّدنا الصِدِّيق من كُبراء قُرَيْش ، ورغم هذا قال : هذا أخي في الله ، فَكان الصحابة إذا ذكروا الصِدِّيق قالوا : هو سيِّدُنا وأعْتَقَ سَيّدنا ، وكان سيدنا عمر يخْرج إلى ظاهر المدينة لاسْتِقْبال بلالٍ الحَبَشي إذا قدِم من سفر ، لذلك فإنّ

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٩٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٩٠٣