فربنا عز و جل عرض عطاء غير متناهٍ ، عطاء كبيرًا جداً ، بل هو أعظم عطاء عرضه على الخلق كلهم ، فأبوا ، والملائكة خافوا من الأمانة ، فملّكوا أنفسهم لله عز وجل ، يسبحون له لا يفترون ، والحيوانات خافوا من الأمانة ، طلبوا الدنيا من دون مسؤولية ، فكان لهم ما أرادوا ، يعيشون لشهواتهم ، من دون حساب ، وأما الإنس والجن فقد قبلا الأمانة وتحملاها ، فما هي الأمانة ؟ .. عطاء لا حدود له ، ولكن له ثمن باهظ ، فما هو الثمن الباهظ ؟ .. أن يأتي الإنسان إلى الدنيا ، وقد ركبت فيه الشهوات وأعطي الفكر ، وخلق الله الكون كي يتعرف إليه .
كونٌ يعرِّفه بالله ، وفكرٌ هو أداة المعرفة ، ونفسٌ فيها شهوات تعينه على الرقي إلى الله عز وجل ، فبالفكر يَعرِفُ ، وبالشهوة يرقَى ، فإذا فكر في الكون عرف الله ، فإذا آثر رضاء الله على شهوته ارتقى إلى الله ، فسبيل السعادة الأبدية غير متناهية ، أن يُركَّب في الإنسان شهوة وفكر ، وكون دال على أسمائه الحسنى ، فإذا جاء الإنسان إلى الدنيا وفكّر في الكون وعرف الله عز وجل ، واستقام على أمره ، وآثر ما يرضي الله على ما يرضي شهواته ارتقى ، فإذا جاء يوم القيامة سعد بهذا العمل إلى الأبد ، فما هو العمل ؟ ؛ قال تعالى :
[سورة النازعات]
فأنت أيها الإنسان مخلوق عُرضت عليك الأمانة وقبلتها ، ومعنى قبلتها قبلت أن تأتي إلى الدنيا ، وقد رُكِّبتْ فيك الشهوات ، ومنحت الفكر ، وسخر الله لك ما في السماوات والأرض لخدمتك ، ولأجل أن تعرف الله من خلال خلق السماوات والأرض ، فمن فكّر في الكون ، وعمل الصالحات تقرباً إلى الله استحق هذا العرض الثمين ، قال تعالى :
التكليف يعني ، كل المخلوقات ، كل بني البشر والجن تحملوا الأمانة ، وقد أتيح لهم أن يسعدوا سعادة ما بعدها سعادة ، هم قمة الخلق .