إذا اشترى شخصٌ مكيفًا يقول لك الصانع : إذا أطفأته فلا تشعله فوراً ، ترى نفسك متأدباً مع هذه التعليمات ، إذا كان المكيف ثمنه باهظ ، وأنت حريص على أن يؤدي وظيفته طوال هذا الصيف فترى نفسك من دون شعور تنفذ تعليمات الخبير بحذافيرها ، إن اشتريت مكيفًا ، وإن اشتريت مكواة أو أيَّ جهاز أو آلة من الآلات ، ترى نفسك بدافع حب السلامة ، حب سلامتها حريص على تطبيق تعليماتها تطبيقاً حرفياً ، يا سبحان الله ، أأنت أثمن أم هذه الآلة ؟ ! .. أهذه النفس الإنسانية أثمن أم هذه الآلة ، هذه الآلة لا بد أن تتركها في يوم ما ، أو أن تتركك ، لكن هذه النفس هي نفسك ، هي ذاتك تحيا بها إلى الأبد ، إما في شقاء دائم ، أو في نعيم دائم ، فإذا طبقت هذا النهج الإلهي في حركة هذه النفس في الحياة ، فأنت من السعداء ، وإذا خالفت هذا المنهج فالذي يخالفه يكون من الأشقياء ، فربنا عز وجل يقول :
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِبُ بِالدِّينِ *
ما هو التكذيب بالدين ؟ هو التكذيب بهذا المنهج الإلهي ، وكما قلت قبل قليل : كأنه نشرة تعليمات ، يقول لك المنطق : لا بد أن تكون صحيحة ، لأن هذا الجهاز المعقد البالغ الإتقان لابد من أن صانعيه على مستوى عال جداً من الفهم والخبرة ، فتعليماتهم صحيحة ، إنك تدين لهذا المنهج استنتاجاً منطقياً ، فإذا خالفت التعليمات وقعت في خطأً ، وتعطل الجهاز ، إنك الآن تدين له مرةً ثانية يقيناً نابعاً من التجريب ، فحينما تدين لهذا الدين ، دينونتك له إما بسبب استنتاجك المنطقي ، أو بسبب تجربتك الفعلية ، قد تدين له انطلاقاً من أن هذه النشرة لا بد أن تكون صحيحة ، استنتاج منطقي وقد تدين له إثر مخالفة لهذه التعليمات ، ودفع الثمن باهظٍ ، عندئذ تدين له يقيناً نابعاً من التجربة .