وحينما كان طفلاً صغيراً كان أصدقاؤه يدعونه إلى اللهو فيقول : لم أُخلَق لهذا ، وكأنه في صغره صلى الله عليه وسلم عرف المهمة الكبيرة التي أنيطت به ، فعبد الله عزوجل السنوات الطويلة ، وكان في غار حراء يخلو الليالي الطويلة ، وَمَن منا يستطيع أن يذهب إلى رأس جبل فيقبع في مغارة أيامًا بلياليها ، فكم أنسه بالله شديدًا .
وما زال يعبد الله عزوجل ويفكر في ملكوت السموات والأرض ، ويتقرب إليه بالعمل الصالح ، ولا يعرف من هو ، ولا ما سيكون ، ولا من سيكون ؟ ولا أنه سيكون نبياً ، ولا رسولاً ، ولا أنه سيد خلق الله ، كل هذا لا يعرفه .
ولما بلغ الأربعين وقد عرف الناس صدقه وأمانته وعفافه وطهارته ونسبه ، جاءه الوحي، قال تعالى له : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *
(سورة العلق)
قال : ما أنا بقارئ ، فقال تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ *
(سورة العلق :1ـ5)
جاءه الوحي فكان هذا الوحي غذاءً لروحه ، عرف أنه مشمول بالعناية الإلهية ، وأنه مقصود بالرعاية الربانية ، وعرف أنه مصطفى ، وأنه مقرب إلى الله عزوجل ، وعرف الطريق لهداية الناس ، بعثه الله نبياً ورسولا ، فبدأ يدعو قومه ، وبدأ الوحي ينزل عليه ، وفجأة انقطع عنه ، وبانقطاع الوحي أصابه غم وحزن شديد ، وشعر أن الله تركه وكأنه قلاه ، وتخلى عنه ، فجاءت هذه الصورة مبدوءة بقوله تعالى :
(سورة الضحى )
من شدة فرحه صلى الله عليه وسلم حينما جاءه جبريل بعد انقطاع طويل قال : الله أكبر، فرحاً بالوحي المتجدد ، وبرحمة الله المستمرة ، وبمكانته الثابتة .
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها