أي إن سعيكم في هذه الحياة هو نشاطكم ، وحركتكم اليومية ، انظر إلى الطرقات في الساعة الثامنة ، وانظر إليها في الساعة الخامسة ، تزدحم بالمارة ، كلٌّ إلى عمله ، وهذا إلى مكتبه ، وهذا إلى دائرته ، هذا إلى أرضه ، وهذا إلى عقد صفقة ، وهذا إلى بيع أرض ، وهذا إلى شراء بيت ، وهذا إلى قراءة كتاب ، وهذا إلى اقتناء حاجة ، وهذا إلى إقامة دعوى ، وهذا إلى صلح ، وهذا إلى تعلم آيات الله ، وهذا إلى حفظ القرآن ، وهذا إلى حضور مجلس علم ، وهذا إلى طلاق زوجته ، وهذا إلى اغتصاب مال جاره ، وهذا إلى الكيد برفقائه ،" إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى" ، ولو نظرت إلى الناس صباحاً في المدن المزدحمة لوجدت أنه ما من واحد منهم إلا وله مسعىً ونشاطُ يستقل به عن أخيه ، " إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى" ، ولكن ربما لا يبدو هذا المعنى كافياً ، لكونه جواباً لقسم ، " وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى " ، فلو قلت لكم مثلاً : واللِه العظيم إنّ الأرض غير السماء ، طبعاً الأرض غير السماء ، واللهِ العظيم إنّ هذا غير هذا ، طبعاً هذا شيء بدهي ، فما المقصود إذاً من كلمة " إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى" ؟ .
(سورة الليل )
قال بعضهم : إن سعيكم متباين متفرق في نتائجه ، مختلف في حقيقته ، هذه بديهة مسلم بها لا يختلف فيها اثنان ، ولا ينتطح فيها عنزان ، لأن كل إنسان له في الحياة طريق ، وله فيها مطلب ، وغاية ، ومبعث ، ونية ، ودافع ، وحاجة ، ونمط ، ومعنى شتى أي مفترق .