الله سبحانه وتعالى في هذه السور المكية يقسم ببعض الآيات الكونية ، وآية اليوم هي الليل ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ، يغشى أي : يغطي ، فالليل يغطي وجه الشمس ، والليل يغطي النهار ، والليل يستر كل شيء فلا ترى فيه شيئاً ، ترتاح فيه طاقاتنا العصبية ، وما منا واحد إلا ويعرف قيمة النوم ، فلو بقي بلا نوم يومين متتابعين لاختل كيانه ، واختل توازنه ، فالله سبحانه وتعالى جعل الليل سكناً ، فحينما يُغشي الليلُ النهار ، أو حينما يُغشي الليلُ ضوء الشمس ، أو حينما يُغشي الليلُ كل شيء في أحد نصفي الكرة الأرضية عندئذ تسكن حركة كل شيء ، فإن لم يكن ليل فماذا يحصل ؟ تنقلب حياتنا إلى فوضى ، فهذا نام عشر ساعات ، وذاك بدأ يعمل ، وهذا بدأ بالنوم عندما بدا غيره بالعمل ، وينعدم الزمن فكيف نحسب الأيام ؟ لا ليل ولا نهار ، ولكن ضياء مستمر ، أو ظلام مستمر ، تصوروا لو فقدت الأرض دورانها، ولو بقي الليل سرمداً إلى يوم القيامة ، أو بقي النهار سرمداً إلى يوم القيامة فماذا يحصل ؟ ينعدم الزمن ، ولما عرفنا عدد السنين والحساب ، ولما عرفنا أعمارنا ، ولما عرفنا النظام ، لاختلفنا على العمل وعلى ساعات العمل ، ولكن الليل نظام إلهي تسكن فيه الخلائق ، والنهار كذلك نظام إلهي ، ولكنه حركة وانطلاق ، قال تعالى :
وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا
(سورة عم :الآية 10ـ11)
فالنهار لكسب الرزق ، جعله مضيئاً ، وجعله واضحاً ، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :
(سورة الليل )