وتأكلون التراث .. أي الإرث ، فالمنازعات الآن بين الأسر ، والعداوات، والمحاكمات، والقضاء مثقل بمشكلات الإرث ، كلُّ طرفٍ يحبُّ أن يأخذ كل الإرث وحده وأن يحرم الباقين، ولا يرضى المرء أن يأخذ ماله ، يريد أن يأخذ ماله ومال غيره ، علامة المؤمن أنه يكتفي بما له ، وكلُّ شيءٍ يؤخذ من الإرث قبل توزيعه فهو غلول ، الغلول نوعان.. ما يؤخذ من غنائم الحرب قبل توزيعها ، وما يؤخذ من الإرث قبل توزيعه ، تأخذ ساعة وتقول : هذه من رائحة أبي .. غلول ، سجّادة.. غلول ، شيء ثمين ، قطعة أثرية ، قطعة جميله ، فأي شيء تأخذه قبل توزيع التركة فهذا غلول .. وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما.. أنتم مكرَّمون بالمال ؟! هذا ادعاؤكم .. كلاّ زجرٌ وردع ..
كلا إذا دكت الأرض دكا دكا .
( سورة الفجر : آية " 21 " )
دكّت بمعنى دقَّت وانهدمت ، دكا دكا .. ليس هذا توكيد بل هو استغراق كأن تقول : قرأت الكتاب باباً بابا ، أي إنّك تريد أن تقول إنّي قرأته بشكلٍ دقيق باباً بابا ، استغرقت كلَّ أبوابه قراءةً .. كلا إذا دكت الأرض دكا دكا .. أي إذا جاء يوم القيامة :
ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين .
( سورة الأنبياء : آية " 47 " )
كلا إذا دكت الأرض دكا دكا . وجاء ربك والملك صفا صفا .
( سورة الفجر : آية " 22 " )
وهذا بحث طويل بين العلماء قديماً وحديثاً ، كيف يجيء الله عزَّ وجل؟ فبعضهم قال : هذا مجاز ، فإذا قلت يد الله فوق أيديهم أي يد القوة، وإنَّ الله يستمع إلى دعائهم ، هذا استماع العلم لا استماع كالاستماع البشري ، على كلٍ مجيء الله عزَّ وجل في هذه الآية كأن يأتي أعلى إنسان في بلد ليشهد محاكمةً ، عندئذٍ يسود الصمت وتضطرب القلوب ويرهب الحاضرون ، هذا الذي بيده مقاليد الأمور حضر بنفسه ليشهد المحاكمة :
كلا إذا دكت الأرض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا.