تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهناك طبيب جاءه مريضان ، الأول ميؤوسٌ منه مرضه عضال لا شفاء له ، والثاني معه التهاب حاد في المعدة ، فربما شدد تشديداً كبيراً على المريض الثاني ، وأعطاه قائمة بالممنوعات ، وقال للأول : كل ماشئت ، فظن هذا الثاني أن الطبيب لا يحبه ، إنما قتَّر عليه لهوانٍ له عنده ، ولأنه أباح للأول أن يأكل ما يشاء فهو مكرمٌ عنده .. مسكين .. الثاني أمله بالشفاء كبير ، ومرضه ليس خطيراً ، وشفاؤه وشيك ، و لذلك شدد عليه .. العبد إذا ضايقه الله عزَّ وجلَّ بماله ، و بدخله ، و بصحته ، و أولاده ، و زوجته ، وظنَّ أنَّه مهانٌ عند الله فقد وقع في غلطٍ كبير ، كبيرٍ .. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن.. هكذا تقولون ؟ إذا أردت أن أعالجه ، وأن أرفعه ، وأن أطهره، وأن أقربه ، وأن أعطيه الآخرة المديدة ، الأبدية ، يقول هذا الإنسان إنني أهينه ! .. متى كان الدواء فيه إهانةٌ للإنسان ؟ متى كان مكبح السيارة إهانة لمحركها ؟ من أجل سلامتها ، مكبح السيارة لا بد منه لضمان سلامتها، وكذلك الأمراض و الآلام ، والمتاعب ، والأحزان والهموم .

قال عليه الصلاة والسلام :

ما من عثرةٍ ، ولا اختلاج عرقٍ ، ولا خدش عودٍ ، إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر *.

الله سبحانه وتعالى غنيٌ عن تعذيبنا ، وإذا عذبنا لمصلحتنا ، ليردنا إليه، و ليحملنا على طريق الحق ، والدنيا لا قيمة لها عند الله عزَّ وجل، إذا قيست الدنيا بالآخرة لا قيمة لها ... إن رأى الأبُ بيد ابنه لعبةٍ تلهيه عن الامتحان ، ووضع هذه اللعبة وكسَّرها تحت قدمه ، وقد يكون ثمنها عشر ليرات .. لكن الأب يرى ، أن نجاحه في هذه الشهادة وتدرُّجه في مراقي العلم والمستقبل الذي ينتظره أغلى بكثير من ثمن هذه اللعبة ، و لذلك يحطمها ليريح ابنه منها ويزيحها من طريقه حتى تصفو وجهته إلى الدراسة ، فهذا يفعله الأب أحياناً ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٤٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٤٧٨