فمثل قد خطر في بالي : الحيوان لا يخاف إلا إذا رأى الخطر بعينه ، هذا مستوى متدنٍّ من الحياة النفسية ، لا يتّقي الخطر إلا إذا رآه بعينه ، ولكن الإنسان كرَّمه الله عزَّ وجل فجعل له فكراً يستطيع أن يرى به الأخطار قبل أن تقع ، و هذا تكريم الله عزَّ وجل ، فإذا عطَّل الإنسان فكره ولم يُعمله في الكون وواجه الأخطار عند الموت فإذا هو من أهل الجحيم ، نقول له : أين عقلك ؟ أين فكرك ؟! العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه ، و لذلك فربنا عزَّ وجل قال :
إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفسٍ بما تسعى .
( سورة طه : آية " 15 " )
أكاد أُخفيها ، حتى يظهر الإنسان وعقله .
فإذا واجه الإنسان انهداماً في الطريق فجأةً إما يلحق أن ينجو أو لا يلحق، وإذا كانت هناك إشارات ولافتات وشاخصات على الطرق تدل على وجود تحويلة مثلاً ، أو هناك منحدر خطر ، أو منعطف خطر ، هذه الإشارات إن لم تستخدمها ، و إن لم تعبأ بها ، و إن لم تنظر إليها لا يسمّى الإنسان عاقلاً ، و لا يسمّى مفكِّراً :
إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى
( سورة طه : آية " 15 " )
الخطر .. خطر الآخرة لا يُرى الآن بالعين ، فالناس الآن يستوون في هذه الحياة المؤمن وغير المؤمن ، المؤمن ساكن في بيت يأكل ويشرب وله عمل ، وهذا المرابي يسكن في بيت ويأكل ويشرب وله عمل ، والذي لا يبالي بطاعة الله يعيش كما يعيش المؤمن ، والذي يعتدي على حقوق الآخرين يعيش كما يعيش المؤمن ، الخطر لا يُرى بالعين ولكن الإنسان كرَّمه الله عزَّ وجل، عليه أن يرى الأخطار قبل وقوعها ، و أن يرى أن لهذا الكون إلهاً ويستحيل على الله عزَّ وجل أن يدع الناس هكذا هملاً ..
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق ...
( سورة المؤمنون : آية " 115 ، 116 " )