تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحقيقة أنّ كلمة ينظر هنا لا تعْني نظَرَ العَيْن ، إنَّ الغَنَمَة تسْتطيعُ أنْ تنظر إلى الجمل وتَحيدُ عنه في طريقِها إذا نظرَتْ إليه ورأَتْهُ، وأيُّ دابَّةٍ من دواب الأرض تنْظر وترى ، انظر إلى نمْلَةً تسيرُ على الطاولة وضَعْ يدك أمامها ؛ تَقِفُ ثمَّ تُغَيِّرُ مسارها ، معنى ذلك أنَّ النَّمْلة رأَتْ والدليل أنها غَيَّرَتْ مسارها ، فالنَّظَر الذي أمرنا الله عز وجل به في هذه الآية ليس نظر العَيْن ولكِنَّهُ نظرُ الفِكْر ، قد تُطْعِمُ دابَّةً حشيشاً ولا يرى إلا أنَّهُ غِداءٌ يبْحث عنه ، لكن الإنسانُ إذا نظر إلى التُّفاحة يرى من خِلالها عظَمَة الله ، وكذا إذا شرِبَ كأساً من الماء ، وإذا نظر إلى ابنه وهو يعلم أنَّ أصْلَهُ نُطْفَة يرى صُنْعَ الله في خلقِه ، إذا نظر إلى الجبل والسهْل والبحْر والشجَر والورد كان هذا نرُ تفَكُّرٍ ، أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَت .

الحقيقة أنَّ الإنسان الأعْمى القلب هو الذي يمُرُّ على هذه الآيات ولا يرى من خِلالها الله عز وجل ، قال تعالى :

وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)

(سورة يوسف)

الإبل :

قد يقول قائِل لماذا اخْتار الله عز وجل من بين آلاف الحيوانات ومن بين ملايين الآيات الجَمَل ؟ لأنَّ الله عز وجل يُخاطِبُ بهذا القرآن العظيم العَرَب ، وهم سُكانُ الصحْراء ، والجَمَل يحْتَلّ المكانة الأولى في الصحْراء يعيشون معه ، ويحْتلّ جُزءًا من اهْتِمامهم ، ألَمْ يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

" لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من حمر النَّعم "

(رواه أبو يعلى)

ماذا يعْني هذا الحديث ؟ أنَّ حُمُر النِّعَم شيءٌ ثمينٌ جداً ونفيسٌ جداً ، والإنسان العرَبِيُّ في الصحْراء يعُدّ الجمَلَ أثمَنَ في الصحْراء، لذلك ربنا عز وجل قال :

أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)

(سورة الغاشية)

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٤١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٤١٠