تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اِبْتَغوا الخير عند حِسان الوُجوه . اتَّقوا فِراسة المؤمن فإنَّهُ ينظر بِنور الله ، وينطق بِتَوْفيق الله . فربنا عز وجل اِخْتار من الإنسان وَجهه ، لذلك ؛ الوجه هو وَجْهُ النفْس أي هو تعبير عما في النفْس من اِنفِعالات ومشاعر . لذلك كرَّمَ الله عز وجل الإنسان بِالوَجْه فقال عليه الصلاة والسلام :

فيما ثبت عَنْ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ *

[ رواه مسلم ]

خَاشِعَةٌ :

الخُشوع في اللغة السكون ، قال عليه الصلاة والسلام وقد نظر إلى إنْسانٍ يُصلي وهو كثير الحَرَكة :

"لو خشع قلبُ هذا لَخَشَعَتْ جوارِحُهُ"

بِمَعْنى لَسَكَنَتْ جوارحه . فالخُشوع هو السكون ؛ لكنَّ السكون في هذه الآية بِسَبَبِ الذلّ والخِزْيِ والعار ، إذا نظرْتَ إلى مُجْرِم ، تجده يضعُ بصره في الأرض ، ويسْكُنُ ؛ أما البريء عَيْناهُ زِئبِقِيَّتان تتحرَّكُ يَمْنةً ويسْرة ، ووجْهُهُ طافِحٌ بالبِشْر ، وعلى فَمِه اِبْتِسامة ويتحرَّكُ بِحُرِّيَّة ؛ لكنَّ الذليل المُجْرم الذي اقْتَرَفَ الإثم ، ووقع في الفضيحة تراهُ خاشِعاً ، لا خُشوعَ الخُشوعِ ! ولكن خُشوع الخِزْي والعار ؛ أيْ السُّكون .

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1)وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ(2) ، لو أحْسنَ شخْصٌ لآخر ثمَّ خانه ؛ يكْفي أنْ ينظر إليه فلا يسْتطيع هذا الخائِن أنْ ينظر إليه ، تراهُ يتلافى النظر إلى وَجْهِهِ ! يضعُ بصره إلى الأرض . خلَقْتُ لك ما في الكون من أجلك لِمَ عَصَيْتني ؟ إنِّي والإنس والجِنّ في نبأ عظيم أخْلُقُ ويُعْبدُ غيري ! وأرزُقُ ويُشْكرُ سِواي ! خيري إلى العِباد نازل ، وشَرُّهُم إليَّ صاعد! أتَحَبَّبُ إليهم بِنِعَمي وأنا الغَنِيُّ عنهم ، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليَّ ! كلُّ ما في الكون من أجلك قال تعالى :

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٣٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٣٩٣