بجمع المعنيين يبدو أن يوم القيامة تُنسي الإنسان كلَّ شيء . إذا نزل واحدٌ إلى مركز المدينة ، وكان يريد أنْ يسأل عن أسْعار البلاط أو كان يريد أنْ يشتري آجر ، وعليه إنجاز مُعاملة بالمالِيَّة مطْلوبٌ منه براءة ذِمَّة، أو عليه أنْ يُراجع المُختار من أجل هَوِيَّة ابنه ، هذا الإنسان أصاب ولداً بالسيارة ؛ هذه القائمة كلها تُنْسى ، ويدخل في موضوعٍ آخر ما كان في باله، وموضوع كم أدفع دِيَّة هذا الغُلام ، يا تُرى هل هناك سِجْن أمْ لا؟وتجده ارْتَعَدَتْ فرائِصُه وتغَيَّر لَوْنه ، ودخل في موضوع آخر لم يكُن في حسابه ! معنى غَشِيَهُ الهَمّ أي أنْساهُ الهَمّ كل شيء ، وحلَّ به وكان هذا الهَمّ غِشاء له عنه لِكُلِّ شيء ، أبْعَدَهُ عن كُلِّ شيء ؛ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة (1) ؟ لِكُلِّ واحدٍ منا بُنودٌ كثيرة ؛ تَحْسين بَيْته ، ووضعِ معاشه ، و تحسين دخله ، ومكانته الاجتماعِيَّة ، وشِراء مَرْكبة ، والذهاب إلى البلد الفُلاني وله مشْروع شِراء فِيلَّة بالمَصْيَف ، لكن إذا حلَّ يوم القيامة كلّ ما سِواها لا قيمة له ، مَن مِنَ الناس يحْسب حِساباً لِهذا اليوم ؟ يحسِبون لكلِّ شيءٍ حِسابه ؛ يقول لك هذه البضاعة يغلو ثمنه ، وهذه سَتُفْقَد ... طيِّب ، ويَوْمَ القيامة ألا ينْبغي أنْ يُحْسَبَ له كُلّ الحِساب ؟! هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1) ؟ يعني ؛ ألم يأتِك حديث الغاشِيَة ؟ ويعني ما أعظم يوم الغاشية ! للتعظيم ، ويعني لقد جاءك حديث الغاشِية للتقرير. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1) ، ربنا عز وجل لم يصِف الغاشِيَة بل وصف حالة الناس فيها ؛ هذا من أساليب الإعْجاز البياني إذْ لم يَصِف الغاشِيَة وإنما وصف حالة الناس فيها ، أوَّل شيء أنَّها تَحِلُّ ، وإذا حَلَّت فلا محيص عنها ، لا مهْرب ولا منْجاة ، ماذا يفْعل الإنسان ؟ قال تعالى:
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ(16)
(سورة الانشقاق)