ربنا يعْلم سِرَّ هذا الإنسان ، أنَّهُ اسْتَقام كَوَسيلَةٍ من وسائِل الرِّبْح ، لا حُباً في الله ، ولا بِما عنده ، ولا بِتَجَلِّياته ، ونجاتِهِ من عذابه ، ولأنَّ الله يعْلم السِرَّ وأخْفى عندئذٍ ربنا عز وجل يُؤَخِّر عنه التوفيق مُعالجَةً له، وكأنَّ الله عز وجل يقول : يا عبدي اسْتَقِم من أجْلي لا من أجل أن ترْبح، واسْتَقِم اسْتِقامَةً خالِصَةً من أجْلي ، قال تعالى :
[ الزمر : الآية 11 ]
مخْلِصاً ، فلما الإنسان يأتي بآية من كتاب الله وهي قانون ؛ مثلاً قوله تعالى :
[ النحل : الآية 97 ]
فإذا كان قد طبَّقَها من غير إخْلاصٍ وحُباً في سلامته ، وحُباً في حياةٍ في الدنيا كاملة ومُرَفَّهَة ، فإن طُبِّقَتْ هذه الآية بِهذه النِيَّة فإنَّ هذه الآية لن تُطَبَّقَ على هذا المُطَبِّق لأنَّ مشيئة الله عز وجل لا تحُدُّها مشيئة ، فَمَثلاً النائب في المجْلس النيابي له حصانة لكنّ الذي منَحَهُ الحصانة ينْزعها منه أحْياناً إن أساء اسْتِخْدامها ، فهناك مشيئةٌ فوق مشيئته ، فَمَشيئَةُ الذي منحَ الحصانة قد تُنْزَعُ منه .
ثمَّ قال تعالى :
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى(8)
[ الأعلى : الآية 8 ]
وهذه هي البشارة الثانية ، التَّيْسير فاليُسْرى مُطْلَقَة ، فالأصل أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما خلق الدنيا وخلق البشر على هذه الأرض ، وضَعَ لهم أهْدافاً ، فالهَدَفُ من خلْقِهِم أن يتعرَّفوا عليه من طريق الكَوْن ، بِبَساطة فِكْرِهِم ، فإذا عَرَفوه استقاموا على أمْره ، وإذا اسْتقاموا على أمْره أقْبلوا فإذا أقْبلوا عليه شعروا بِلَذَّة القُرْب ، فَعَمِلوا الأعْمال الصالحة لِيَزْداد إقْبالهم عليه ، فإذا عملوا أعْمالاً صالحة أهَّلَتْهُم هذه الأعمال لِيَكونوا إلى الأبد في مقْعد صِدْقٍ عند مليكٍ مُقْتَدِر ، فهذا هو التخْطيط الإلهي لِخَلْق الإنسان ، قال تعالى :
[ الذاريات : الآية 56 ]