تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تبْديل الكلمات بالآيات إعْجاز ، بِحَسْب تفْكير الإنسان الساذج يقول سيَذَّكَر من يخشى ويتجنَّبُ من لا يخْشى ! لما ربنا قال : الأشقى فُهِمَ من هذا أنَّ الذي لا تنْفعه الذكرى هو الأشقى قاطبةً ثمّ قال تعالى :

الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى(12)

[ الأعلى : الآية 12 ]

فالكُبرى في أمدها ، إنَّ أهل النار لَيَبْكون وإنهم ليَبْكون الدم ، ولو أنّ السُّفن أُجْرِيَت في دموعهم لَجَرَتْ النار الكبرى في مُدَّتِها إلى الأبد ، أكبر رقَمٍ يتصَوَّرُهُ ذِهْنُك ضَعْهُ صورة واجعل المخرج لا نهاية يكون العدد هو الصفر ألف ألف ألف ألف ...! فأنت إذا كَسَبْتَ أكبر رقم إلى لا نهاية يصبح لا شيء ، لو أخذت قلم حِبْر ووضعت حافَّتَه على كيس طحين فكم من ذرة ستلصق به ؟ إذا كل ذرة طحين مليون مليون سنة ، فكم في الكيس من مليون سنة ؟ وكم في الكيسين ؟ وكم لو قدرنا الموجود في القطر السوري ؟ فالأبد أطول ، ويصْعُب تصوّره ، لما ربنا عز وجل قال : خالدين فيها أبداً لذلك كلّ عطاء ينتهي بالموت فهو ليس بِعَطاء ، الكريم لا يفعل هذا مادام ينتهي بالموت فهو لا يُسمى عطاءً ، سيدنا علي يقول : فلْيَنظر عاقل بِعَقْله ! أنَّ الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ من قا ل: أهانه فقد كذب ، ومن قال : أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعْطاه الدنيا ، لو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شَرْبة ماء ، الدنيا جيفة طُلابها كلابها ، الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسْعى من لا عقل له ! إنَّ أكْيَسَكم أكثركم للموت ذِكْراً ، وأحْزَمَكُم أشَدَّكم اسْتِعْداداً له ، ألا وإنَّ من علامات العقل التجافي عن دار الغُرور ، والإنابة إلى دار الخُلود ، والتَّزَوُّد بِسُكْنى القبور ، والتأهُّب بِيَوْم النشور ، فالعطاء في الدنيا لا يُسَمى عطاءً :

[ الفجر : الآية 15-20 ]

ولذلك قال ربنا عز وجل :

[ الأعلى : الآية 16 ]

ثمَّ قال تعالى :

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٣٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٣٥٧