تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلماء استنبطوا أنَّ التسنيم نبعٌ يشرب منه المقرَّبون ، يشربونها صرفاً ، لكن هذا الشراب ؛ الرحيق المختوم يشرب منه الأبرار ممزوجاً مع التسنيم .. كما لو أعطينا شخصاً قطعة مذهبة ، وشخصٌ آخر أُعطِي قطعة من الذهب الخالص من عيار أربعة وعشرين ، فالأولى مذهبة ، مطلية بالذهب ، أما تلك فمن الذهب الخالص .. فمن هنا يستنبط أن التسنيم شرابٌ نفيسٌ ، نفيس للمقربين ، وبعضهم أيضاً استنبط أنَّك في الجنة إما أن تسعد بتجليات الله عزَّ وجل ، وإما أن تسعد بما فيها من طعامٍ وشرابٍ وجنَّاتٍ وثمارٍ وحورٍ عين .. إلى آخره من النعيم ، فإما أن تسعد به ، وإما أن تسعد بجنته ، وإما ان تسعد بهما معاً ، فهؤلاء الأبرار يسعدون برحيقٍ مختومٍ ممزوجٍ بتسنيم .

التسنيم من سَنَمَ ، أي المكان العالي ، فبعضهم قد أعطاها تفسيراً مادياً ، أي المياه المنصبة من مكانٍ مرتفع كالشلال ، وبعضهم وجهها توجيهاً آخر ، أي النعيم بذات الله عزَّ وجلَّ ، وهو أرقى درجات القرب .

والأبرار ينعمون بما في الجنة من حورٍ عين ، وما فيها من فواكه مما تلذُّ به الأنفس والأعين ، وفوق ذلك فهي ممزوجة بتسنيم ، فالتسنيم إما أن تكون شراباً خالصاً للمقربين ، وإما أن تكون شراباً ممزوجاً للأبرار .

وبالمناسبة .. كل ما ذكر عن الآخرة لا ينبغي لنا أن نزيد عليه شيئاً ، لأن الآخرة غيبٌ لم يرها أحدٌ ، ولا نعرف عنها إلا في حدود ما ذكر الله عزَّ وجل عنها ، فالبحث في كيفيَّتها وفي كُنهها وفي حقيقتها بحثٌ غير مُجدٍ ، فإذا وُعِد الطالب المتفوِّق بقصر فخم جداً ، وهو صادر من أعلى جهة في الدولة ، فالطالب بدلاً من أن يضيّع الوقت في السؤال والبحث عن ماهية القصر ، وما به من الغرف وعددها ، وكم طابقًا ، وبأي منطقة يقع ؟ وهل له حديقة أو مسبح ؟؟؟ فبدلاً من أن تفكر في مواصفات القصر فاشتغل حتى تنال القصر ، فأيُّهما أبلغ ؟ أن تفكر في مواصفاته أم أن تَجِدَّ حتى تناله ؟

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٢٠٨