تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها الإخوة : عالم من العلماء الأجلاء أتى ببرهان على أن الإيمان باليوم الآخر أصله عقلي ، ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا فيها حظوظ متفاوتة ، فمِن إنسان غني إلى إنسان فقير ، ومن إنسان قوي إلى إنسان ضعيف ، ومن إنسان ظالم إلى مظلوم ، ومن إنسان طويل العمر إلى إنسان قصير العمر ، ومن امرأة مُنحت مسحة من الجمال عالية إلى امرأة دميمة ، فهناك تفاوت كبير في الحظوظ ، والآن مع حركة البشر هناك من يظلِم ، وهناك من يُظلَم ، وهناك من يأكل حق أخيه ، هناك من يَقتُل ، وهناك من يُقتَل ، هناك من يُعتدى عليه ، وهناك من يعتدِي ، هناك من يَستغل ، وهناك من يُستَغَل ، هذا الوضع غير طبيعي ، فلا بد أن تؤمن بيوم آخر ، يوم القيامة ، في هذا اليوم تسوَّى فيه الحسابات ، ويؤخذ حق الضعيف من القوي ، ويؤخذ حظ المظلوم من الظالم ، وكل إنسان يُجزى بعمله ، والحقيقة حينما تؤمن باليوم الآخر لا بد أن تنعكس عندك المقاييس رأساً على عقب ، فتصور إنسانًا لم يؤمن باليوم الآخر ، يرى التفوق في ابتزاز أموال الآخرين ، وفي السيطرة عليهم ، وفي استهلاك جهودهم ، وفي الهيمنة عليهم ، وحينما يؤمن باليوم الآخر تنعكس موازينه ، فيرى التفوق في رعايتهم وخدمتهم ونفعهم والتواضع لهم وإعطائهم حقهم ، لذلك ترى بوناً شاسعاً بين المؤمن والكافر ، المؤمن يعطي ، والكافر يأخذ ، المؤمن يعيش للناس ، والكافر يعيش الناس له ، المؤمن كل همِّه أن يقف عند منهج الله عز وجل ، والكافر لا يعبأ بمنهج الله ، ويتحرك وفق شهوته ، لذلك صنَّف الله عز وجل البشرَ إلى نموذجين على اختلاف مللهم ، ونِحلهم ، وعلى اختلاف أعراقهم ، وأجناسهم ، وألوانهم ، ودياناتهم ، قال تعالى :

[ سورة الليل ]

أي بنى المؤمنُ حياته على العطاء ، وبناها الكافر على البخل :

[ سورة الليل : الآية 8 ]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤١٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤١٤٥