ذات مرَّة ، الحسن البصري وهو سيد التابعين ، أدى واجب أمانة العلماء ، فبلغ الحجاج ما قاله ، فقال لمن حوله : يا جبناء واللهِ لأروينكم مِن دمه ، وأمر بقتله ، كلمة : اقتلوه ، ائتوني به لأقتله أمامي ، فجيء بالسَيَّاف ، ومدَّ النِّطْع ، وذهب الجند ليأتوا بالحسن البصري ليقطع رأسه في مكان حكمه ـ في قصره ـ يروي الرواة أن الحسن البصري دخل على الحجاج ، فرأى السيَّاف واقفاً ، والنطع ممدوداً ، ففهم كل شيء ، فحرَّك شفتيه بكلماتٍ لم يفهمها أحد ، فإذا بالحجَّاج يقف له ، ويستقبله ، ويقول له : أهلاً بأبي سعيد ، أنت سيِّد العلماء ، ومازال يدنيه من مجلسه حتى أجلسه إلى جنبه ، واستفتاه ، وضَيَّفه ، وطلب الدعاء منه ، وشيَّعه إلى باب القصر .
السيَّاف كاد يصعق ، والحاجب كاد يصعق ، فتبعه الحاجب ، فلما خرج من القصر قال له: يا أبا سعيد ، لقد جيء بك لغير ما فُعِلَ فيك ، جيء بك لتقتل ، فإذا بالحجاج يكرمك ، فماذا قلت بربك وأنت داخلٌ عليه ؟ قال قلت له :
" يا ملاذي عند كُرْبَتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم " .
الأقوياء بيد الله ، فعندما يسلمك ربنا عزَّ وجل لغيره كيف تعبده ؟ قال لك :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
( سورة هود : من آية " 123 " )
أنت حينما تعرف الله ، وتستقيم على أمره ، فأنت أقوى إنسان لأن الله معك ، وإذا كان الله معك ، فمَن عليك ؟ ومَن يجرؤ أن يكون عليك ؟ ومَن يستطيع أن يمد يده عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمَن معك ؟ فكم مِن إنسانٍ نكَّل به أولاده ، ونكلت به زوجته ، ونكل به أقرب الناس إليه ؟! لأنه لم يكن مع الله ، كن مع الله تر الله معك ، القصة من أولها إلى آخرها أنك إذا قلت : الله ، تولاَّك الله ، فإذا قلت : أنا ، تخلَّى الله عنك .