أُوْلَئِكَ أهل البُعْدِ ..
يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44)
( سورة فصلت )
فالإنسان مهما تمتَّع بعقلٍ راجح لابدَّ له من نورٍ كاشف ، وبشكل مختصر كيف أنك إذا شققت الطريق تضع لافتات ، هنا منعطف خطر ، هنا منزلق حادّ ، هنا تقاطع خطر ، هنا طريق ذات اتجاه واحد ، هذه اللوحات فيها بصائر تنير للسائقين ملابسات الطريق ، أخطار الطريق ، خصائص الطريق ، كذلك الإنسان في الدنيا لابدَّ له من بصائر ، لابدَّ له من كتاب من عند خالقه، أنت آلة معقَّدة جداً ، غاية التعقيد ، ثمينة جداً ، غالية جداً ، عظيمة النفع جداً كيف تستعملها ؟ لابدَّ من تعليمات الصانع .. القرآن تعليمات الصانع ، فقال :
بصائر جمع بصيرة ، بصيرة على وزن فعيلة ، فعيلة مؤنَّث فَعيل ، فعيل صيغة مبالغة اسم الفاعل ، أي به نرى الحقائق .
شيءٌ آخر : أنت أحياناً ترى الحقيقة بشيئين ؛ إما ببيان ، أو بنور ، البيان أن تصغي إلى الحق ، هذا حرام وهذا حلال ، هذا يجوز وهذا لا يجوز ، في هذا المجال افعل ولا تفعل ، هذا بيان ، وإما أن تتصل بالله عزَّ وجل اتصالاً محكماً فيُلْقي الله في قلبك النور ، وهذا تؤكِّده الآيات الكريمة :
يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ
( سورة الحديد : آية " 38 " )
يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا
( سورة الفرقان : آية " 29 " )
فالقرآن بصيرة إما أن تقرأه وتستوعب أوامره ونواهيه فتطبقها، صار التبصير بيانيا ، أو التبصير نوراني ، إما أن تتصل بالله اتصالاً محكماً يلقي الله في قلبك النور ، وفي النهاية من كانت صلته بالله محكمة ، ومن كان إدراكه للقرآن عميقاً يلتقيان في تطبيق المنهج الإلهي ..