تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل أن يمكن الله بهم دينه ، فإذا مكن الله بهم دينه كانت الطمأنينة محل الخوف ، ففي هذه الآيات الاستخلاف يتسع ويتسع فيشمل الأمة ، ويضيق و يضيق فيشمل الأسرة ، وكل واحد منا مستخلف ، فالمعلم في صفه مستخلف ، وهؤلاء أطفال وضعهم الله بين يديك ، فما معنى أنك مستخلف ؟ أيْ : أن الله جعلك نائبا عنه في معاملتهم ، هل تضربهم أم ترحمهم إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي فالإنسان في عمله مستخلف في غير بيته الآن . أنت معلم جعلك الله خليفته على هؤلاء الصغار ، وأنت طبيب جعلك الله خليفته على هؤلاء المرضى ، وأنت موظف جعلك الله خليفته على هؤلاء المراجعين ، فهل تنصف بينهم ؟ وهل ترحمهم أم تضع العراقيل في وجوههم ، فالاستخلاف شيء مخيف جدا كل إنسان في عمله مستخلف يعني ممتحن. فإذا كان يملك قوة في عمله كرئيس دائرة عنده خمسة موظفين ، وبإمكانه أن يؤذي واحداً منهم بإمكانه ، وأن ينفع واحداً فهو مبتلى إن لم يعدل بينهم ، ومستخلف إن عدل بينهم ، فصار الاستخلاف ليس معناه أن تكون قويا ، بل أن تستخدم هذه القوة في إحقاق الحق ، وفي تمكين دين الله ، وفي إقامة الصلاة ، وأداء الزكاة ، وفي رفع الإنسان إلى المستوى الرفيع الذي خلق من أجله. هذا هو الاستخلاف ، فالإنسان لا يظن نفسه معفى من الاستخلاف ؛ فالأب مستخلف ، والابن مستخلف مع أخوته الصغار ، فقد يموت الأب ويُخلّف خمسة أولاد أحدهم كبير فهذا الكبير مستخلف ، فهل يأخذ المال كله له ؟ أم يعطي أخوته بالعدل والدقة ؟ وهل يقسو عليهم أم يرحمهم ؟ فالأخ مستخلف والموظف مستخلف والطبيب مستخلف والمحامي مستخلف مع موكليه ، والمعلم مستخلف والمهندس مستخلف ، فهذا البناء هل أعطيته حقه ؟و هل أنصفت ؟ فالقوة إن لم ترافقها الحكمة والرحمة والعدل تصبح بلاء وليست استخلافاً ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٣٤٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٣٤٢٨