فلو أن هذا المنافق دعي إلى رسول الله ليكون حكماً في موضوع خلافي مع إنسان إنه لا يريد ، وقد ورد في أسباب نزول هذه الآية : أن منافقا اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة ، فدعاه اليهودي إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان المنافق مبطلا فقال هذا المنافق : إن محمداً يحيف علينا فلنحتكم إلى كعب بن الأشرف وهو سيد من سادات اليهود ، هذا الذي يدعي : أنه مؤمن ، وفي الحقيقة هو منافق ، وقعت له خصومة مع يهودي وكان المنافق مبطلا ، دعاه اليهودي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم بينهما فأبى المنافق إلا أن يحتكم إلى كعب بن الأشرف لأنه يعلم أن النبي سيحق الحق بكلماته وهو مبطل .
إذاً : المنافق إذا دعي إلى كتاب الله ، وإذا دعي إلى الشرع ، وإذا دعي إلى محكم مؤمن يقضي بالحق ، فإنه يرفض ويبحث عن شيء وضعي يضمن له اغتصابه ، ويبحث عن شيء وضعي يغطي له عدوانه، ويقره على انحرافه ، ولذلك إذا رفض الإنسان أن يلبي دعوة محكم يحكم بما أنزل الله عز وجل من كتاب ، وبما جاء به النبي من سنة رفض هذا التحكيم ، وهذا نوع من النفاق لأنه يعلم : أن هذا الذي سوف يحكم بينه وبين خصمه سوف يحكم بما أنزل الله وهو مبطل تضيع عليه هذه الأرض ، وهذا المحل ، وعندئذ يحتكم إلى جهات أخرى غير شرعية لتغطي له عدوانه واغتصابه وما هو عليه من انحراف " وإذا دعوا إلى الله " أي دعوا إلى تحكيم كتاب الله " وإذا دعوا إلى الله ورسوله " أي دعوا إلى تحكيم ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم بينهم " إذا فريق منهم معرضون " هذه الآية دقيقة جداً ..
فلو أننا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ودعي اثنان من المؤمنين أو اثنان من المنافقين أو منافق ومؤمن أو مؤمن وذمي وما شاكل ذلك ، إذا دعي اثنان إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم بينهما في حياة النبي، ماذا قال الله عز وجل " وإذا دعوا إلى الله ورسوله " .