قال بعضهم : لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لكفت الناس جميعاً . حينما وعظ النبي عليه الصلاة والسلام أحد الأعراب الذي قال له : يا رسول الله عظني وأوجز ، تلا عليه قوله تعالى :
" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " .
قال : قد كفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فقُه الرجل ، لم يقل فقِه ، قال : فقُه ؛ أي أصبح فقيهاً .
أيها الأخوة الأكارم : العلاقة بين الآيتين هي أنه بعد أن ذَكَرَ الله عز وجل الموقف الصعب و الذليل والمخيف والعصيب الذي يقفه العصاة يوم القيامة ، حينما يفتح الكتاب لينطق هذا الكتاب بكل أعمالهم ، صغيرها وكبيرها ، عندئذٍ ذَكَّرَ الله عز وجل بني آدم كيف أخذ عليهم العهد ألا يعصوه ، وألا يستجيبوا للشيطان .
أيها الأخوة : هذا سجود التعظيم ، وليسَ سجود العبادة .
توهّمَ بعضهم أنَّ إبليس من الملائكة ، لكن هذه الآية صريحة بأن إبليس من الجن ، والدليل قوله تعالى في الآية السابقة .
أمّا أن يستنبط إنسان أن إبليس ملك بدليل قوله تعالى : " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ " ، هذا اسمه استثناء منقطع .
فقد تقول حضر الطلاب إلا المدرس ، فالمدرس ليس طالباً لكنه اشترك مع الطلاب في حضوره الساعة الثامنة ، فالطلاب طلاب ، والمدرس مدرس ، يُدعى هذا في اللغة استثناء منقطعاً ؛ ومعنى استثناء منقطع ، أن المستثنى منه ليس من جنس المستثنى .
بينما الاستثناء المتصل تقول حضر الطلاب إلا خالداً ، أو إلا طالباً ، فالمستثنى منه من جنس المستثنى ، بـ إلا ، والدليل أيضاً في آيات أخرى :…
??فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ " .
(سورة الحجر : 30)
ليسَ إبليس من الملائكة ، وهذه الآية صريحة في ذلك " كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ " ، معنى فسق ؛ بمعنى خرج ، و كل إنسان يخرج عن أمر الله فهو فاسق .