وَهَذَا وَإن كَانَ فيه التغليب، لَكن قَوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ لَيسَ فيه تَغليبٌ، أي: لَيسَ هنَاكَ أبٌ مُباشِر، وَلِهَذَا كَانَ القَول الراجح في مَسأَلَة الجَدِّ والإخوة أَنَّ الجَدَّ يَحْجُب الإخوةَ؛ لأَنَّه أَبٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ موسَى -ﷺ- نَفَّذ مَا أَرسَلَه اللَّه به.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الآيَات الَّتي يرسل اللَّهُ بها الأنبياءَ تكون بَيِّنَة واضحة؛ لئَلَّا يَكونَ للمَدعُوِّين حُجَّة في خفاء الحُجة، فيجعل اللَّه تعالى الآياتِ بَيِّنَةً واضحة.
وَفي الحديث الصَّحيح عَن النَّبيّ عليه الصلاة والسلام: "مَا مِنَ الْأَنْبيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١).
فَلَا بدَّ أَن تَكُونَ الآيَات الَّتي يُرْسَل بها الرُّسل بَيِّنَة واضحةً؛ لئلا تبقَى للنَّاسِ حُجة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الآيَاتِ الَّتي أعطاها اللَّهُ موسَى ليست وَاحدَة، وَلَا اثنتين، بَل هيَ آياتٌ متعددة يؤمِن عَلَى مِثلهَا البَشر، لكن هَؤلَاء قَومٌ عُتاة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ دعوى المكذّبين للرُّسل لَا تَكون إلَّا مِن نَوع المكابَرة؛ فَإنَّ قَولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، لَا يَقتَضي رَدَّ الحق، لَكن إذَا كَانَ حَقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حُجة إذَا قَالَ: واللَّه هَذَا مَا سَمعنَا به.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أعداء الرُّسُل يُلَقِّبُون الرُّسل بألقابِ السُّوء والعَيب؛
(١) أخرجه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما نزل، رقم (٤٩٨١)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -ﷺ-، رقم (١٥٢).