لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها
[فاطر: 36]، ومعنى كلام ابن عباس رضي الله عنه أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه، اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: ﴿ ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ﴾ ، وقوله: ﴿ ومن ورآئه عذاب غليظ ﴾ أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم:
فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم
[الصافات: 66-68]، فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى:
إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون * كغلي الحميم
[الدخان: 43-46]، وقال تعالى:
هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج
[ص: 57-58] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه وأشكاله، مما لا يحصيه إلا الله عز وجل، جزاء وفاقا
وما ربك بظلام للعبيد
[فصلت: 46].
14.18
مثل هذا ضربه الله تعالى لأعمال الكفار، الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله وبنو أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت فقال تعالى: ﴿ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم ﴾ أي مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء، فلم يجدوا شيئا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة ﴿ في يوم عاصف ﴾ أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، كقوله تعالى:
وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا
[الفرقان: 23]، وقوله تعالى:
مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته
[آل عمران: 117]، وقوله تعالى:
فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا
[البقرة: 264]، ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه.