14.9
قص الله علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل، ﴿ جآءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات، وقوله: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ اختلف المفسرون في معناه، قيل: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله عز وجل، وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم، وقال مجاهد وقتادة: معناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم، ويؤيد قول مجاهد: تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿ وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب ﴾ فكان هذا والله أعلم - تفسير لمعنى: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ ، وقال العوفي عن ابن عباس: لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به الآية، يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به فإن عندنا فيه شكا قويا.
14.10-12
يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاؤوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت الرسل: ﴿ أفي الله شك ﴾ ، أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطرار، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه: ﴿ فاطر السموت والأرض ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، وإلاهه ومليكه، وقالت لهم رسلهم: ﴿ يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ أي في الدار الآخرة، ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ أي في الدنيا، فقالت لهم الأمم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ أي كيف نتبعكم بمجرد قولكم ولما نر منكم معجزة، ﴿ فأتونا بسلطان مبين ﴾ أي خارق نقترحه عليكم، ﴿ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ﴾ أي صحيح إنا بشر مثلكم في البشرية، ﴿ ولكن الله يمن على من يشآء من عباده ﴾ أي بالرسالة والنبوة، ﴿ وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان ﴾ على وفق ما سألتم ﴿ إلا بإذن الله ﴾ ، أي بعد سؤالنا إياه وإذنه لنا في ذلك، ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ أي في جميع أمورهم. ثم قالت الرسل: ﴿ وما لنآ ألا نتوكل على الله ﴾ أي وما يمنعنا من التوكل عليه؟ وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها، ﴿ ولنصبرن على مآ آذيتمونا ﴾ أي من الكلام السيء والأفعال السخيفة، ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾.