تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن المساجد لله

[الجن: 18] الآية، وقوله تعالى: ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ قال ابن عباس: يعني يتلى كتابه، وقوله تعالى: ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾ أي في البكرات والعشيات، والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار، وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الغدو صلاة الغداة، ويعني بالآصال صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده، وعن الحسن والضحاك ﴿ يسبح له فيها بالغدو والآصال ﴾: يعني الصلاة.

وقوله تعالى: ﴿ رجال ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عمارا للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره، وتوحيده وتنزيهه، كما قال تعالى:

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

[الأحزاب: 23] الآية. وأما النساء فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها "

، وعن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" خير مساجد النساء قعر بيوتهن "

وروى أحمد

" عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: " قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي " قال: فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها "

، فكانت والله تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى. ويجوز للمرأة شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحدا من الرجال بظهور زينة ولا ريح طيب. كما ثبت في الصحيح:

" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "

، وفي رواية:

" وليخرجن وهن تفلات "

أي لا ريح لهن، وقد ثبت في " صحيح مسلم " عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا "

، وفي " الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وفي " الصحيحين " عنها أيضا أنها قالت: لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.

وقوله تعالى: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ ، كقوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله

[المنافقون: 9] الآية، يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم، لأن الذي عنده خير لهم وأنفع مما بأيديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ﴾ أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم، روى عمرو بن دينار: أن ابن عمر رضي الله عنهما كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ ، وقال ابن أبي حاتم قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله فيهم: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾.

وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس فيها أحد، فتلا سالم هذه الآية: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ ثم قال: هم هؤلاء؛ وقال الضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها، وقال مطر الوراق: كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة، وقال ابن عباس ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة، وقال السدي: عن الصلاة في جماعة، وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١١٩٢