وقوله تعالى: ﴿ فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة ﴾ أي فاضطرها وألجأها إلى جذع النخلة، في المكان الذي تنحت إليه. وقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس، وقال وهب بن منبه: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية يقال لها بيت لحم، وهذا هو المشهور، الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقوله تعالى إخبارا عنها: ﴿ قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت ﴿ يليتني مت قبل هذا ﴾ أي قبل هذا الحمل ﴿ وكنت نسيا منسيا ﴾ أي لم أخلق ولم أك شيئا قاله ابن عباس، وقال قتادة ﴿ وكنت نسيا منسيا ﴾: أي شيئا لا يعرف ولا يذكر، ولا يدري الناس من أنا. وقال ابن زيد: لم أكن شيئا قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله:
توفني مسلما وألحقني بالصالحين
[يوسف: 101].
19.24-26
اختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال ابن عباس: ﴿ فناداها من تحتهآ ﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، أي ناداها من أسفل الوادي، وقال مجاهد ﴿ فناداها من تحتهآ ﴾ قال: عيسى ابن مريم، وقال الحسن: هو ابنها. قال: أو لم تسمع الله يقول
فأشارت إليه
[مريم: 29]، وقوله ﴿ ألا تحزني ﴾ أي ناداها قائلا لا تحزني ﴿ قد جعل ربك تحتك سريا ﴾ ، عن البراء ابن عازب، وعن ابن عباس: السري النهر، وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية، وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير، وقال آخرون: المراد بالسري عيسى عليه السلام. والقول الأول أظهر، ولهذا قال بعده: ﴿ وهزى إليك بجذع النخلة ﴾ أي وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة قاله ابن عباس، وقيل: مثمرة، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه: ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاما وشرابا فقال: ﴿ تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري عينا ﴾ أي طيبي نفسا، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.
وقوله تعالى: ﴿ فإما ترين من البشر أحدا ﴾ أي مهما رأيت من أحد، ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ ، المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي، لئلا ينافي ﴿ فلن أكلم اليوم إنسيا ﴾ ، قال أنس بن مالك في قوله ﴿ إني نذرت للرحمن صوما ﴾ قال: صمتا، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي رواية عن أنس: صوما وصمتا، والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام. روى ابن إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها، أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام، ليكون عذرا لها إذا سئلت. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم ﴿ لا تحزني ﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟
يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا
[مريم: 23].