فخرج يعدو حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسوي صفوف المسلمين، فجاء من خلف الصفوف حتى انتهى إلى الصف الأول فكان فيه. وكان أول من رمى بسهم من المسلمين، فجعل يرسل نبلا كأنها الرماح، وإنه ليكت [ (1) ] كتيت الجمل. ثم صار إلى السيف ففعل الأفاعيل، حتى إذا كان آخر ذلك قتل نفسه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكره قال: من أهل النار. فلما انكشف المسلمون كسر جفن [ (2) ] سيفه وجعل يقول: الموت أحسن من الفرار! يا آل أوس، قاتلوا على الأحساب واصنعوا مثل ما أصنع! قال: فيدخل بالسيف وسط المشركين حتى يقال قد قتل، ثم يطلع ويقول: أنا الغلام الظفري! حتى قتل منهم سبعة، وأصابته الجراحة وكثرت به فوقع. فمر به قتادة بن النعمان فقال: أبا الغيداق! قال له قزمان: يا لبيك! قال: هنيئا لك الشهادة! قال قزمان: إني والله ما قاتلت يا أبا عمرو على دين، ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير قريش إلينا حتى تطأ سعفنا. فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم جراحته فقال: من أهل النار. فأندبته [ (3) ] الجراحة، فقتل نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.
قالوا: وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرماة فقال: احموا لنا ظهورنا، فإنا نخاف أن نؤتى من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه، وإن رأيتمونا نهزمهم، حتى ندخل عسكرهم، فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، اللهم، إنى أشهدك عليهم!