يُعَرِّضُ الله تَعَالى بأهلِ مَكَّةَ ، وَيُنَبِّهُهُمْ إِلى أَنَّهُ قَدْ سَبَق لَهُ أَنْ أَهلَكَ كَثيراً مِنَ المُدُنِ والقُرى ، التي طَغَتْ وأَشِرَتْ وكَفَرَت بِنِعْمَةِ اللهِ ، فيما أَنْعَمَ بهِ عَلَيها ، فَدَمَّرَهَا تَدمِيراً ، وَلَم يَتْرُكْ أَحَداً مِنْ أهلِها حياً ، وَلَم يَعُدْ يُرى فِيها إِلاّ المَسَاكِنُ الخَرَابُ المَهْجُورَةُ ، لَمْ يَسْكُنها أَحدٌ بَعدَهُمْ ، إِلاَّ عَابرُو السَّبيلِ لفَتَراتٍ قَصِيرةٍ ، وَهُمْ مَارُّون مُجْتَازُونَ بِها ، وَآلتْ وِرَاثُتها إِلى اللهِ ، لأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهلِهَا أَحَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ وَرَاثَتَها
وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَنْ عَدْلِهِ فَيقُولُ : إِنَّهُ لاَ يُهْلِكُ أَحَداً وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ ، وَإِنَّما يُهِلكُهُ بعدَ أَنْ تَقُومَ عَليهِ الحُجَّةُ . وإِنَّهُ لاَ يُهلِكُ القُرى حَوْلَ مَكَّةَ بِكُفْرِهِم وَظُلْمِهِم إِلاَّ بَعْدَ أَن يَبْعَثَ فِي أُمِّ القُرَى ( مَكَّةَ ) رَسُولاً يدْعُوهُم إِلى اللهِ ، وَيُبِيِّنُ لهُم سَبيلَ الهدَايَةِ والرَّشَادِ ، وَيتلُو عَلَيهمْ آياتِ اللهِ ، وإِنَّهُ لا يُهلِكُ هذهِ القُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظَالِمُونَ ، قَدْ كَذَّبُوا النَّبِيَّ ، وَرَفَضُوا اتِّباعَهُ ، وقَبُولَ دَعْوَتِهِ .
( وَفُهِمَ مِنْ هذِهِ الآيةِ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إِلى النَّاسِ كَافَّة ، وَلَيسَ لأَهلِ مَكَّةَ خَاصَّةً ) .
فهم لا ينكرون أنه الهدى ، ولكنهم يخافون أن يتخطفهم الناس . وهم ينسون الله ، وينسون أنه وحده الحافظ ، وأنه وحده الحامي؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تتخطفهم وهم في حمى الله؛ وأن قوى الأرض كلها لا تملك أن تنصرهم إذا خذلهم الله . ذلك أن الإيمان لم يخالط قلوبهم ، ولو خالطهم لتبدلت نظرتهم للقوى ، ولاختلف تقديرهم للأمور ، ولعلموا أن الأمن لا يكون إلا في جوار الله ، وأن الخوف لا يكون إلا في البعد عن هداه . وأن هذا الهدى موصول بالقوة موصول بالعزة؛ وأن هذا ليس وهماً وليس قولاً يقال لطمأنة القلوب . إنما هو حقيقة عميقة منشؤها أن اتباع هدى الله معناه الاصطلاح مع ناموس الكون وقواه ، والاستعانة بها وتسخيرها في الحياة . فالله خالق هذا الكون ومدبره وفق الناموس الذي ارتضاه له . والذي يتبع هدى الله يستمد مما في هذا الكون من قوى غير محدودة ، ويأوي إلى ركن شديد ، في واقع الحياة .
إن هدى الله منهج حياة صحيحة . حياة واقعة في هذه الأرض . وحين يتحقق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضية إلى جانب السعادة الأخروية . وميزته أنه لا انفصال فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخرة؛ ولا يقتضي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليحقق أهداف الحياة الآخرة . إنما هو يربطهما معاً برباط واحد : صلاح القلب وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض . ومن ثم يكون الطريق إلى الآخرة . فالدنيا مزرعة الآخرة ، وعمارة جنة هذه الأرض وسيادتها وسيلة إلى عمارة جنة الآخرة والخلود فيها . بشرط اتباع هدى الله . والتوجه إليه بالعمل والتطلع إلى رضاه .
وما حدث قط في تاريخ البشرية أن استقامت جماعة على هدى الله إلا منحها القوة والمنعة والسيادة في نهاية المطاف؛ بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة . أمانة الخلافة في الأرض تصريف الحياة .
وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله والسير على هداه . يشفقون من عداوة أعداء الله ومكرهم ، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم ، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير