تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحتبس عنهم المطر ، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف . ثم ساق الله إليهم سحابة ، ففرحوا بها فرحاً شديداً ، وخرجوا يستقبلونها في الأودية ، وهم يحسبون فيها الماء : ﴿ قالوا هذا عارض ممطرنا ﴾ . .وجاءهم الرد بلسان الواقع : ﴿ بل هو ما استعجلتم به : ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ . . وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى . كما جاء في صفتها : ﴿ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ﴾ والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير : ﴿ تدمر كل شيء بأمر ربها ﴾ وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس . فهذا الوجود حي . وكل قوة من قواه واعية . وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه . والإنسان أحد هذه القوى . وحين يؤمن حق الإيمان ، ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة ، يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله ، وأن يتجاوب معها ، وأن تتجاوب معه ، تجاوب الأحياء المدركة ، بغير الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس من الحياة والإدراك . ففي كل شيء روح وحياة ، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق . والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار ، تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار .وقد أدت الريح ما أمرت به ، فدمرت كل شيء ﴿ فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ﴾

. أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى . إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة ، لا ديار فيها ولا نافخ نار . . ﴿ كذلك نجزي القوم المجرمين ﴾ . سنة جارية وقدر مطرد في المجرمين .وعلى مشهد الدمار والخراب يلتفت إلى أمثالهم الحاضرين ، يلمس قلوبهم بما ترتعش منه القلوب ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه . وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة . فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء . إذ كانوا يجحدون بآيات الله . وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ . .

هؤلاء الذين دمرتهم الريح المأمورة بالتدمير . مكناهم فيما لم نمكنكم فيه . . إجمالاً . . من القوة والمال والعلم والمتاع . وآتيناهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة - والقرآن يعبر عن قوة الإدراك مرة بالقلب ومرة بالفؤاد ومرة باللب ومرة بالعقل . وكلها تعني الإدراك في صورة من صوره - ولكن هذه الحواس والمدارك لم تنفعهم في شيء . إذ أنهم عطلوها وحجبوها ﴿ إذ كانوا يجحدون بآيات الله ﴾ . . والجحود بآيات الله يطمس الحواس والقلوب ، ويفقدها الحساسية والإشراق والنور والإدراك . ﴿ وحاق به ما كانوا به يستهزئون ﴾ . . من العذاب والبلاء . .

والعبرة التي يفيدها كل ذي سمع وبصر وقلب ، ألا يغتر ذو قوة بقوته ، ولا ذو مال بماله ، ولا ذو علم بعلمه . فهذه قوة من قوى الكون تسلط على أصحاب القوة والمال والعلم والمتاع ، فتدمر كل شيء ، وتتركهم ﴿ لا يرى إلا مساكنهم ﴾ حين يأخذهم الله بسنته التي يأخذ بها المجرمين .

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩٩٧