أحد، وما خرج معهم أحد ممن لم يشهد أحداً وقد صور القرآن هذا المشهد بقوله - عز وجل - (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) وقال في شأنهم أيضاً (الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) الذين استجابوا مع هذه المعاناة دل على أن هذه النفوس لم تهزم، هزموا في مرحلة عابرة هزموا في صورة ظاهرة لكن في حقيقة النفوس وقوة العزائم لم تكن هناك هزيمة.
وإذا بقي هذا الجانب لم يصله أثر الهزيمة فإن الأمر إلى خير إن شاء الله وإن الجولة وشيكة في أن ينتصر المسلمون مرة أخرى، وماذا كان الحال أبو سفيان رجل عسكري حربي راجع نفسه، قال ماذا فعلنا؟ أخذنا القوم على غرة، وما قتلنا قادتهم وما دخلنا مدينتهم، أراد أن يرجع ليستأصل شأفة المسلمين ببعض ما ظن أنه قد أوقع من هزيمة في النفوس وما شحذ به عزائم أصحابه من هذا النصر الباهت الهزيل، وأراد أن يرجع فلقي أبا مُعَيْط وكان قد رأى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم خارجون فقال ما خبر أهل المدينة قال لقد رأيت محمدا - صلى الله عليه وسلم - يجهز أصحابه وهم خارجون في إثركم، فانسحب أبا سفيان قانعاً من المعركة بهذه الجولة الصغيرة خوفاً من أن يحرم هذا النصر وأن يغلب من جديد كرة أخرى، وأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حمراء الأسد فضرب بها خيامه وأقام بها أياماً ينتظر القوم أن يأتوا ولكنهم هزموا في نفوسهم وولوا الأدبار وما رجعوا فهذه معركة فيها نصر رغم الهزيمة، لأن النصر إنما هو في داخل هذه النفوس المؤمنة.
إسترجاع بيت المقدس خلال عامين
والأمر أيضاً ظاهر في بعض الجولات في الأمة المسلمة ربما نشير إليها الآن سريعاً ويأتي ذكرها تفصيلاً، سقط بيت المقدس في أيدي النصارى في عام 491 هـ وبعد سنتين كانت وقعة بين المسلمين وبين النصارى الذين انتشوا وانتصروا وقتلوا وتمكنوا وكانت لهم أمارات في عكا وفي حيفا وفي الساحل والتقوا مع فئة من المسلمين بعد عامين عام 493 هـ وكانوا ثلاثين ألفاً أي النصارى، ولقوا المسلمون وهم أقل منهم عدداً ثم انتصر المسلمون وقتلوا النصارى عن بكرة أبيهم وما بقي منهم إلا ثلاثة آلاف ما منهم إلا وهو جريح، إذاً كان إنتصاراً ساحقاً، كيف لأمة حصل لها ما حصل أن يكون فيها هذا الأمر بقدر ما يكون في الأمة من أسباب النصر والعزائم والنفوس المؤمنة بقدر ما يتحقق لها المكافأة.
ردع التتار
وكذلك الأمر في جولة أخرى في عام 656 هـ كان سقوط بغداد في أيد المغول الذين كانوا مثالاً في الهمجية والوحشية كما سيأتي وصف ذلك، ومن بعد في عام 658 هـ بعد عامين من سقوط بغداد، إذا بهؤلاء المغول الذين دمروا شرق العالم الإسلامي كله اكتسحوا الأخضر واليابس ما سلم منهم شجر ولا حجر ولا نهر ولا بحر يقف أمامهم المسلمون في عين جالوت فيكسروهم كسرة