والتقدير: كيف نكلم من هو في المهد في حال الصبا، ولو جعلت (كان) معنى الماضي لخرج عيسى عليه السلام من أن يكون له اختصاص بهذا الحكم من بين سائر الناس، ألا ترى أن جميع الناس قد كانوا صبيانا في المهود، فدل بعجب القوم من قول مريم أن عيسى عليه السلام يتكلم في حال الصبا.
فأما ما تدخل فيه ملغاة في العمل دون المعنى، فنحو قولك: زيد كان قائم، والمعنى: زيد قائم كان، فقد أفادت (كان) معنى المضي، وإن لم تعمل.
واعلم أن كان متى ألغيت فلا بد لها من فاعل في المعنى، لأن الفعل لا يخلو من الفاعل، فإذا قلت: زيد قائم كان، فالمعنى: كان الكون، فالكون هو الفاعل ل (كان) ، وهو بمعنى الجملة المتقدمة، ومثله قول الشاعر:
(سراة بني أبي بكر تساموا ... على - كان - المسومة العراب)
أي: على المسومة العراب كان تساميهم.
والوجه الثالث من أحكام (كان) : أن تكون بمعنى (وقع، وحدث) فتكون فعلا حقيقيا، فيرتفع الاسم بعد (كان) كارتفاعه بعد قام بقام، ولا تحتاج إلى خبر، ومتى ذكرت بعدها اسما صفة نكرة كانت منصوبة على الحال، كقولك: كان الأمر، أي: حدث ووقع، فإن قلت: كان الأمر معجبا، نصبت (معجبا) على الحال، ومثله قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض﴾