48 - باب أسماء الأرضين
اعلم أن الأصل في أسماء البلدان التأنيث، لغلبته عليها في كلامهم، وإنما يذكر بعضها، وقد ذكرنا ما يذكر منها، وإنما ساغ فيها هذا، لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وإنما تؤنث إذا ذهب بها مذهب البقعة والبلدة، فلما كانت البلدان كلها يسوغ فيها هذان التقديران، جاز أن يذكر ويؤنث، واعلم أن ما غلب في كلامهم تذكيره يجوز تأنيثه، على ما ذكرنا، إذا قدر مؤنثا لم ينصرف، وكذلك ما غلب عليه في كلامهم التأنيث جاز أن يذكر، على أن يراد بذلك الاسم المكان والبلد فيصرف.
وإنما ساغ تذكير ما ذكرنا منها، لأنها كثيرة في كلامهم، إذ كانت أماكن قريبة من العرب، نحو حراء وقباء، وما أشبه ذلك.
فأما واسط: فإنما غلب عليه التذكير لهذا المعنى.
فإن قال قائل: لم صار الغالب على البلدان التأنيث؟
قيل له: قد لحقها نقص من جهة المعنى، وذلك أن الأرض بأسرها تسمى أرضا ومكانا، وليس كذلك حكم الجمل، ألا ترى أن بعض الأسماء
لا تسمى باسم جملة، فلما نقصت الأماكن عن حكم الأسماء، صارت مضارعة للتأنيث، إذ كان التأنيث أنقص حكما من حكم التذكير.
ووجه آخر: أن البلد لما كان اسما لأماكن كثيرة، فشابه الجمع، إذ كان مشتملا على أشخاص كثيرة، فمن حيث أنث الجمع أنث أسماء البلدان.
ووجه ثالث: أن البلد خص ببيئة مخصوصة تخالف بها غيره من البلدان، جرى مجرى الدار، إذ كانت الدار والبلد إنما يحتاج إليهما للإقامة فيهما والسكنى، فمن حيث كان الغالب على الدار التأنيث، وجب أيضا أن يغلب على البلدان التأنيث، والله أعلم.