تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

42 - باب الجواب بالفاء

اعلم أن الفاء أصلها العطف، وحروف العطف لا يجوز أن تعمل، لأنها من الحروف التي يليها الاسم مرة، والفعل مرة، وقد بينا أن من الحروف ما كان على هذا السبيل لم يعمل شيئا، فإذا كان الأمر على ما ذكرناه، ووجدنا العرب تنصب الفعل بعد الفاء في جواب ما ذكرناه، علمنا أن النصب إنما وجب بغيرها، وإنما هو بإضمار (أن) ، ووجه تقدير (أن) بعد الفاء أن تقدر ما قبلها تقدير المصدر المقدم قبلها، كقولك: ما تأتيني فتحدثني، والتقدير: ما يكون منك إتيان فحديث، وإنما وجب أن تقدر ما قبل الفاء بتقدير المصدر، لأنه لا يخلو أن يكون ما قبلها فعلا وفاعلا، أو مبتدأ وخبرا، والفعل يدل على المصدر، والجملة أيضا يجوز أن تجعل في تقدير فعل وفاعل، كقولك: ليت زيدا عندنا فنكرمه، أي: ليت كونا من زيد فإكراما. وعلى هذا يجري جميع ما يقع قبل الفاء، إذا نصبت ما بعدها، وإنما كانت (أن) بالإضمار أولى، لأن الأصل في حروف النصب أن يليها الماضي والمضارع، فلقوتها كانت أولى بالإضمار من أخواتها، وجاز أن تضمر، وتعملها وإن كانت حرفا، لأن الفاء قد صارت عوضا منها، ولم يجز إظهارها، لأن ما قبلها في تقدير المصدر من غير إظهار اللفظ، فلما كان المعطوف عليه مصدرا غير مظهر، اختاروا أن تكون (أن) مضمرة بعد الفاء، ليشاكل ما قبلها.

واعلم أنك إذا قلت: ما تأتيني فتحدثني، فلك فيه وجهان: النصب

والرفع، فالنصب على ما قدرناه، ومعنى الكلام إذا نصبت على وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ أي: الذي يمنع من الحديث ترك الإتيان، وإنما دخل هذان المعنيان في معنى حكم المنصوب، لأن الفاء قد بينا أنها للعطف، ويجب أن يكون الثاني بعد الأول، فلما كان (62 / ب) معنى قولك: ما يكون منك إتيان فحديث، منقطعا من الأول، متصلا من أصل اللفظ، جاز أن ينفي الإتيان، ويتعلق الحديث به، وينتفي معه، لدخول معنى الاتصال في الفاء.

وأما الرفع فعلى وجهين:

أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على ما قبله، ويكون النفي قد تناول الإتيان على حدة، والحديث على حدة، أي: ما تأتيني، وما تحدثني.

والوجه الثاني: أن يكون الإتيان منفيا، ويكون ما بعد الفاء مبتدأ وخبرا على طريق الاستئناف، كأنك قلت: ما تأتينا فأنت تحدثنا، فيكون الحديث كائنا، والإتيان منفيا، وأما قوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ ، وقوله: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا﴾ ، فإنما رفع (يعتذرون) بالعطف على (يؤذن) ، أي: ليس يؤذن لهم، ولا يعتذرون وقد قرئ بالنصب على تقدير: لا يكون إذن فعذر، ومعناه: أنه لو أذن لهم اعتذروا، ولكن سبب العذر ارتفاع الإذن، ففي نصب الثاني يجب الأول، وفي الرفع ليس لأحدهما تعلق بالآخر.

علل النحو · الصفحة ٤٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

علل النحوص ٤٣١