وأما حديث: «كُلُّ قَرضٍ جَرَّ نَفعَاً فَهُوَ رِبَاً» فهو محمول على المنفعة المشروطة في القرض، على أن إسناده ضعيف جداً (1).
واعلم أن وضع المال في المصارف باسم الودائع تحت الطلب حكمه حكم القرض، لأن العبرة للمعاني لا للمباني، وذلك أن مجرد اسم الإيداع أو الوديعة لا ينطبق على ذلك، فإنه لو كان هذا المال وديعة عند المصرف ما جاز له استثماره ولا استغلاله، لأن الوديعة أمانة، والمودَع أمينٌ لا ضمان عليه عند التلف بدون تعد ولا تفريط، والمصارف تتصرف في الودائع وتضمنها، وترد مثلها عند الطلب، وعلى هذا فهو قرض لا وديعة، وتسميته إيداعاً خطأ، وبناء عليه لا تحل الفوائد على هذا المال، لأنها تعتبر رباً محرماً، ولا يغير من حقيقة الحكم تغيير الاسم، لما تقدم، لكن لا يترك هذه الفوائد للمصرف، بل يأخذها، ولا يأكلها، وإنما يصرفها في مصالح المسلمين، من إعطاء الفقراء والمحتاجين، ومساعدة الغرماء العاجزين عن قضاء ديونهم، أو في بعض المشاريع الخيرية، كالحمَّامات، وإصلاح الطرقات، وتسوير المقابر، وما أشبه ذلك مما يحتاجه الناس، وهذا من باب ارتكاب أدنى المفسدتين، وأخف الضَّررين (2)، والله تعالى أعلم.
(1) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (1/ 500)، وفي سنده سوار ابن مصعب، وهو متروك، وله شاهد من حديث فضالة بن عبيد عند البيهقي (5/ 350) موقوفاً، وإسناده ضعيف، وورد أيضاً من حديث أُبَي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس - موقوفاً عليهم عند البيهقي (5/ 349).
(2) انظر: "الربا والمعاملات المصرفية" ص (345)، "الشرح الممتع" (10/ 298)، "المنفعة في القرض" ص (431)، "فتاوى ابن باز" (19/ 274).