وَلا يَجُوزُ شَرطُ مَا يَنْتَفِعُ بهِ المُقرِضُ .............................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحيوان قيمي يجوز استقراضه عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية -على تفصيلٍ عند بعض المذاهب- خلافاً للحنفية (1)، لعموم أدلة جواز الدَّين، ولحديث أبي رافع - رضي الله عنه - «أن رسول الله - سْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً، فَقَدِمَتْ عَلَيهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ... » الحديث، وورد في ذلك أحاديث أخرى، ترجم لها البخاري بقوله: "بَاب اِسْتِقْرَاض الإِبِل" (2).
وأما الرد في اقتراض الحيوان فالأظهر جواز الرد بالمثل، أو القيمة يوم القرض، وأن الخيار في ذلك إلى اختيار المدين ورضاه، لأنه وإن كانت القاعدة في رَدِّ القيميات بالقيمة، لكن هذا الحديث دليل بَيِّن على أن الرسول - رَدَّ جَمَلاً مكان جمل استقراضه، لكنه لا يعتبر الحصر بالمثل، لأنه فعل، وليس في الحديث إشارة إلى لزوم المثل.
قوله: (وَلا يَجُوزُ شَرطُ مَا يَنْتَفِعُ بهِ المُقرِضُ) مثل: أن يؤجره سيارته، أو يسكنه داره، أو يقضيه خيراً منه، فهذا مُحَّرم إجماعاً، لأن القرض عقد إرفاق وقربة إلى الله تعالى، فإذا شرط فيه نفعاً أخرجه عن موضوعه، لأنه يكون بذلك
قرضاً للزيادة، لا للإرفاق والقربة، قال ابن عبد البر: "وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربا، ولو كانت قبضة من عَلَفٍ، وذلك حرام إن كان بشرط" (3)، فإن أعطى المقترض المقرض شيئاً ينتفع به ابتداءً بلا شرط ولا مواطأة بعد الوفاء جاز، لا قبله، وكذا لو أعطاه أجود، لأنه - اسْتَسلَفَ بَكْراً فَرَدَّ خَيرَاً مِنهُ، وَقَالَ: «خَيرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» وهذا من مكارم الأخلاق المحمودة شرعاً وعرفاً.
أما جواز الزيادة في العدد مثل أن يعطيه في الدرهم درهمين فقد صرح في "الإقناع" بالجواز، وقال شارحه: "لعله محمول على الزيادة إذا كانت يسيرة" (4).
ويستدل لذلك بحديث جابر بن عبد الله {قال: أَتَيتُ النَّبِيَّ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَينِ»، وَكَانَ لِي عَلَيهِ دَينٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي (5)، فهذا صريح في جواز الزيادة، والظاهر أنها كانت زيادة في العدد، لما ثبت في رواية للبخاري أن الزيادة كانت قيراطاً (6)، ويؤيد ذلك عموم ما تقدم.
(1) "المحلى" (8/ 82)، "الكافي" لابن عبد البر (2/ 728)، "بدائع الصنائع" (7/ 395)، "المهذب" (1/ 310)، "المنتهى" (2/ 398).
(2) انظر: "فتح الباري" (5/ 56).
(3) "الكافي" (2/ 728).
(4) "كشاف القناع" (3/ 317).
(5) تقدم تخريجه في "الشروط في البيع"، وهذا القدر من الحديث أخرجه البخاري (2394).
(6) أخرجه البخاري (2309).