فلم نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم هنأهم بمواليدهم!
ولم نجده هنأهم بأفراحهم؟
وإنما كان تعامله فقط في إطعام جائعهم وحسن جواره، وعيادة مريضهم، وما عدا ذلك فيدخل في دائرة الحظر؛ لأن الأصل في التعامل معهم الحظر ما لم يأت دليل يدل على إباحة بعض ما في دائرة الحظر.
فمسألة التهنئة ليست مسكوتاً عنها كما ذهب هؤلاء الذين يفتون في جواز التهنئة! وإنما حكمها هو الحظر، وقد كان اليهود في المجتمع الإسلامي، وقد خالط الصحابة والتابعون بعد ذلك المجتمعات النصرانية فلم نجد عن أي واحد منهم أنه هنأهم بأعيادهم أو شاركهم فيها، وإنما اقتصر الأمر على ما استثني من أفعال فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.
وأهل العلم لم يختلفوا في مسالة التهنئة، ولهذا لا نجد لها ذكراً عندهم، وهذا اتفاق على عدم جوازها، وإنما اختلفوا في مسألة التعزية فقط، بين مبيح ومحرم.
وعليه فلا يجوز استخدام هذه القاعدة الأصولية في مثل هذا الحكم؛ لأن هذه القاعدة لها قيود تتقيد بها.
فالأصل في التعامل مع أهل الكفر هو الحظر إلا ما استثناه الشارع الحكيم من نحو عيادة مريضهم أو تعزيتهم – على خلاف بين أهل العلم في ذلك-، وجواز التعامل التجاري وغير ذلك.
عياد المريض الكافر:
ذهب أهل العلم إلى جواز عيادة المريض الكافر لما أخرجه البخاري «صحيحه» عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ»، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ».
ففي هذا الحديث – كما يقول العيني- "جواز عيادة أهل الذمة ولا سيما إذا كان الذمي جاراً له لأن فيه إظهار محاسن الإسلام وزيادة التآلف بهم ليرغبوا في الإسلام".
فالأصل في عيادة الكافر هي من أجل الدعوة إلى الإسلام لأن الإنسان قد يموت من مرضه؛ ولهذا كان يخشى صلى الله عليه وسلم أن تفلت منه هذه الروح وتدخل النار، ولهذا لما مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ في مرضه الذي توفي منه، قال له «يَا عَمِّ، قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ».
ثم إن مسألة عيادة المريض الكافر فيها تذكير للمسلم بمنة الله عليه أن جعله مسلماً فإذا مات مات على الإسلام بخلاف هؤلاء الذين يموتون على الكفر.
عَن عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَعُودُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، يَقُولُ: كَيْفَ أَصبْحَتْ؟ وَكَيْفَ أَمْسَيْتَ؟ فَإِذَا خَرَجَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَهْلِكْهُ، وَأَرِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَاكْفِهِمْ مُؤْنَتَهُ».
وقد اختلف أهل العلم في عيادة الكافر، فمنهم من قصرها على من كان بينه وبين المريض الكافر قرابة، ومنهم من أطلق ذلك، وأيا كان الصواب فإن هذا يدلّ على عدم اختلافهم في مسألة التهنئة.
تعزية الكفّار:
وكذلك فيما يتعلق بالتعزية للكفار، فإننا لم نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد عزاهم، ولهذا كانت المسألة خلافية عند الفقهاء، ومن استحبها من باب تأليف قلوبهم للدخول في الإسلام اقتصر على ألفاظ معينة فيها.
فكان ابن جُرَيْجٍ وَالثَّوْرِيّ، يَقُولَانِ: "يُعَزِّي الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ يَقُولُ: لِلَّهِ السُّلْطَانُ وَالْعَظَمَةُ، عِشْ يَا ابْنَ آدَمَ مَا عِشْتَ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْمَوْتِ".