حبُّ الوطن .. مفهومٌ مغلوط .. !!
حب الوطن.
الوطن: المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحل سكناه.
وقد فطر الله عزّ وجلّ الخليقة على حبّ الوطن والسكن.
وقد أفصح ابن الرومي عن السبب في حبّ الأوطان:
ولي وطنٌ آليت أن لا أبيعه ... ولا أن أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمةً ... كنعمة قومٍ أصبحوا في ظلالكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسدٌ إن بان غودر هالكا
وَحَبَّبَ أوْطانَ الرِجالِ إلَيْهِمُ ... مآرِبُ قَضّاها الشَبابث هُنالِكا
إذا ذَكَروا أَوْطانَهُمْ ذَكَّرْتُهمُ ... عُهودَ الصِبا فيها فَحَنّوا لِذالكا
فالإنسان لا ينسى المكان الذي ترعرع فيه، وقضى فيه شبابه مع أصحابه وأحبابه، فهو أبداً يحن إليه إذا ما سافر عنه.
فها هو سيّد الخلق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما وَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ - في سوق مكة - َقَالَ: ((عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)).
ولَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، قَالَتْ عائشة: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ:
وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ فَيَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجِنَّةٍ
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ)).
فكان بلال وغيره من الصحابة رضي الله عنهم يحنون إلى مكة لما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إليه، ثم حبب الله إليهم المدينة فصاروا يحنون إليها إذا خرجوا منها للجهاد أو الحج والعمرة، وغير ذلك.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته، وإن كانت دابة حركها.
قال الحافظ ابن حجر: "فيه دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه".
وعن إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - قال: ما عالجت شيئاً أشدّ من منازعة النفس للوطن.
وقال عبدالملك بن قريب الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحببه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
وقيل لأعرابي: كيف تصبرون على جفاء البادية وضيق العيش؟ قال: لولا أن الله تعالى أقنع بعض العباد بشر البلاد ما وسع خير البلاد جميع العباد.
وقال بعض الفلاسفة: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن.
وقالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها تواقة.
وسمع أبو دلف رجلاً ينشد:
ألقى بكل بلادٍ إن حللت بها ... ناساً بناسٍ وإخواناً بإخوان
فقال: هذا ألأم بيت قالته العرب لقلة حنينه إلى ألافه.
وقال حفص الطائي: رأيت جارية تقود عنزاً، فقلت: يا جارية أي البلاد أحب إليك؟ فقالت:
أحب بلاد الله ما بين منعجٍ ... إلي وسلمى أن تصوب سحابها
بلادٌ بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرضٍ مس جلدي ترابها
وقال محمد بن عبدالله بن ظاهر:
يا جبَلَ السماق سُقياً لكا ... ما فعل الظّبي الذي حلكا