«فَمَنْ عَدَلَ عَن الْكِتَابِ قُوِّمَ بِالْحَدِيدِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ الدِّينِ بِالمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ» - ابن تيمية رحمه الله -
تحرير القول المنسوب لجابر بن عبدالله - رضي الله عنه-: «إن هذا - يعني المصحف - يأمرنا أن نضرب بهذا - يعني السيف - على ما في هذا المصحف»!
بقلم: أبي صهيب خالد الحايك
روى الحافظ ابن عساكر في «تاريخه»، (39/ 322) من طريق أبي بكر القاسم بن زكريا بن يحيى المقرئ المطرز، قال: أخبرنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: «بعثنا عثمان بن عفان في خمسين راكباً أميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري حتى أتينا ذا خشب؛ فإذا رجل معلق المصحف في عنقه تذرف عيناه دموعاً بيده السيف، وهو يقول: "ألا إن هذا - يعني المصحف - يأمرنا أن نضرب بهذا - يعني السيف - على ما في هذا المصحف"، فقال محمد بن المسلمة: اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، فجلس فلم يزل يكلمهم حتى رجعوا».
قلت: وهذا إسنادٌ حسنٌ.
إسماعيل بن موسى الفزاري الكوفي صدوق، وحديثه حسن.
وهؤلاء الذين بعثهم عثمان - رضي الله عنه - وأمَّر عليهم محمد بن مسلمة بعثهم إلى المصريين لما أقبلوا يريدونه - أي عثمان -، فدعا عثمان محمد بن مسلمة فقال: اخرج إليهم فارددهم وأعطهم الرضا، وكان رؤساؤهم أربعة: عبدالرحمن بن عديس، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن النباع، فأتاهم ابن مسلمة، فلم يزل بهم حتى رجعوا.
وهذه القصة التي رواها جابر - رضي الله عنه - عن محمد بن مسلمة حجّة؛ لأنه أخبر ذلك الرجل أنهم قد قاتلوا بالسيف على ما في المصحف، ولا شك أن الأمر كان منه صلى الله عليه وسلم.
وقد احتج ابن تيمية - رحمه الله - بهذا، ولكنه نسب هذا القول إلى جابر ورفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه نظر على مقتضى الصنعة الحديثية.
قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وَكَلِمَةُ اللَّهِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكَلِمَاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُهُ وَهَكَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، فَالْمَقْصُودُ مِنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ أَنْ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾. فَمَنْ عَدَلَ عَنْ الْكِتَابِ قُوِّمَ بِالْحَدِيدِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قِوَامُ الدِّينِ بِالْمُصْحَفِ وَالسَّيْفِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَضْرِبَ بِهَذَا - يَعْنِي السَّيْفَ - مَنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا - يَعْنِي الْمُصْحَفَ -» ".
قلت: جابر لم يحدّث به هكذا، وإنما نقله عن محمد بن مسلمة حينما قاله لذلك الرجل كما سبق بيانه. وكأن الإمام ابن تيمية علّقه من حفظه - رحمه الله - بدليل أنه أورده في موضع آخر هكذا، فهو يحفظ أن القصة رواها جابر، وهي كذلك فظن أنه جابراً رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم!! والصواب أنه قالها عن محمد بن مسلمة.
وقد نقله بعضهم بقوله: "قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه - وكان آخذاً السيف بإحدى يديه والمصحف بيده الأخرى -: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا من عدل عن هذا .. ".
قلت: وهذا وهم شديد من ناقله! فجابر يخبر عن ذلك الرجل كما مر.
وعلى كل حال، فالاحتجاج بما قاله جابر عن محمد بن مسلمة متجه إن شاء الله تعالى.