ثالثاً: تعليل ابن القيم بذلك التعليل يجعل التهنئة التي لا تدل على الرضا بالدين غير داخلة أصلا في كلامه، ولا فيما نقل الإجماع عليه".
أقول: نعم، كلام ابن القيم الحَبر واضح لا لبس ولا إشكال فيه، ولكن الدكتور يريد أن يجعله كما جعل الشيخ الألباني الكفر الاعتقادي في غير مكانه، فهذه الأعياد هل هي أعياد رياضية أو دينية؟! فإذا كانت دينية فلم توجيهها في غير محلها؟! والتهنئة من صلب الموالاة الكبرى؟! فإذا أوجب النبي النصح إلا للمسلم فكيف بتهنئة الكافر على عيد ديني؟!
وقد تنبهنا لتفريق ابن القيم - رحمه الله- فوجدناه فرّق بين الألفاظ في التهنئة بالأمور المشتركة (كالتهنئة بزوجة أو ولد أو قدوم غائب ... )، والألفاظ التي تدل على حرمة التهنئة فيما يختصون به مثل أعيادهم الكفرية وصيامهم وغير ذلك، فما الذي تريده من هذا التنبه؟!!
والذي يظهر لي أن الدكتور وقف عند قول ابن القيم كثيراً، ولما لم يستطع أن يرده، طعن بفهم الناس وأنه هو الذي فهمه على أصوله، وصار يلف ويدور لعله يلبّس على القارئ! فجاء بهذه التنبيهات ثم بثّ سمه بقوله: "وحينئذ أقول: لا يقول قائل إن قول المسلم للكافر في عيده الديني: ((أسعدك الله ومتعك بالعافية وهداك للتصديق بالإسلام)) فيه تهنئة له بالكفر ويدل على الرضا عن دينه. ولا يقول عاقل أيضا: إن هذه العبارات ليست تهنئة، فقد قال ابن القيم (الذي احتجوا بكلامه على مطلق التحريم): ((إلا أن يقول أكرمك الله بالإسلام وأعزك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة)) ".
انظروا كيف لبّس بقول ابن القيم الأخير؟! فابن القيّم قد فرق بين التهنئة بالأمور المشتركة وبين الأعياد الكفرية، فلا يجوز أن نسحب هذه الألفاظ التي جوّزها ابن القيم في الأمور المشتركة على الأعياد الكفرية؛ لأن المقام يختلف. فالتهنئة في الأمور المشتركة هي مناسبات دنيوية ليس للكافر أي أثر فيها، بمعنى أنها من الله عز وجل من أجل الاستمرارية في هذه الحياة، وأما المقام الآخر فهو مقام اعتقاد وفرح لذلك الكفر.
وكذلك نقول للدكتور: هل تستطيع أن تقول هذه الألفاظ في التهنئة بالأمور المشتركة في التهنئة بأعيادهم الكفرية؟! نتحداه أن يقول لهم ذلك.
فهذه الالفاظ في الأمور المشتركة لا يكون الكافر مستشعر بذلك الاعتقاد الكفري الذي ربما يكون قد انتظره يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر، فأهون عليه أن يتقبل هذه الألفاظ في التهنئة في الأمور المشتركة بينما لا يتقبلها في عيده الكفري! فكيف لك أيها الدكتور أن تقول له: إن هذا العيد الذي تحتفل به عيد كفري وتهنئه في الوقت نفسه!!
وأما دمج الدكتور لبعض الألفاظ في بعضها البعض ليخرجها عن الرضا الديني وفي الوقت نفسه تكون تهنئة كقوله: " ((أسعدك الله ومتعك بالعافية وهداك للتصديق بالإسلام)) "! فهذه تهنئة فيها تناقض عجيب!!! قد بناها الدكتور على ما سبق من إيراده للأثرين السابقين المرويين عن عقبة بن عامر وابن عباس، وقد تبين لنا ما فيهما. والسعادة هي دعاء بالخير وفيها معنى البركة، وهذا لم يتفوه به ابن القيم، وإنما الذي أجازه ابن القيم: "أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به، ونحو ذلك"، فالذي أراده الدكتور من هذا الخلط هو التلبيس والتدليس على القارئ!!
والأدهى والأمر في كلام الدكتور هو نسبة شيء إلى ابن القيم لم يفكر فيه أبداً، ولم يقصده، بقوله: "تعليل ابن القيم بذلك التعليل يجعل التهنئة التي لا تدل على الرضا بالدين غير داخلة أصلا في كلامه، ولا فيما نقل الإجماع عليه"!!!
فمن أين جاء الدكتور بهذا القيد، ما يدل على الرضا بالدين، وما لا يدل على الرضا بالدين؟!!
طبعاً هو يريد أن يؤصل أصلاً: أن ما كان من الألفاظ ما يكون فيه رضى بدين الكافر فهي حرام، وما عدا ذلك فجائز!