وهذه المسألة المتفق عليها ليست إجماعاً سكوتياً كما يريد أن يصوّره الدكتور وإن هو ردّ ذلك أيضاً؛ لأنه يعرف أن الإجماع السكوتي مختلف فيه أو في بعض أركانه عند الأصوليين، فأن ينقل المسألة إلى الإجماع السكوتي أهون عليه في هدمها من الإجماع العام غير السكوتي، وهذا يبرع فيه أهل الأهواء والبدع، والعياذ بالله.
وهلاّ أخبرنا الدكتور شرط صحة الاحتجاج بالإجماع السكوتي الذي لم يتوفر في هذه المسالة؟!!
ويكفي في الرد على «هرطاته» ما قرره أهل العلم أنه لا يجوز خلو عصر من الأعصار من مجتهد يجوز للعامي تقليده، وفي هذا إشارة إلى الإجماع السكوتي الذي ذكره أهل الأصول في مسائل الإجماع.
فها هي الأعصار من لدن الصحابة إلى عصرنا هذا لم ينقل عن عالم أو مجتهد أنه خالف التحريم في هذه المسألة مع عدم وجود المانع من المخالفة، مع عموم البلوى بهذه المسألة، بل عمومها في الأعصار المتأخرة واضح وجلي بسبب تحكّم الكفار ببلاد الإسلام، فعلى ماذا يدلّ ذلك عند الدكتور الذي يطعن في هذا الإجماع القولي والفعلي وليس السكوتي؟!!
· التلاعب بكلام ابن القيم!
عاشراً: قوله: "وأما كلام ابن القيم الذي جعله المتعصبون للتحريم دليلا لتعصبهم (لا لترجيحهم) فهو قوله في كتابه (أحكام أهل الذمة): ((فصل في تهنئتهم بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى. والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة، ولا فرق بينهما. ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متعك الله بدينك أو نيحك فيه، أو يقول له: أعزك الله أو أكرمك. إلا أن يقول: أكرمك الله بالإسلام، وأعزك به، ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثير ممن لا قدر للدين عنده، يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه. وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء تجنبا لمقت الله وسقوطهم من عينه وإن بلي الرجل بذلك فتعاطاه دفعا لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرا ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك وبالله التوفيق)). انتهى كلامه (رحمه الله)، وهو صحيح لا إشكال فيه، لمن وفقه الله في فهمه.
فأولاً: تنبه لتفريق ابن القيم بين اللفظ الدال على الرضا بالدين والدال على عدم الرضا، وتفصيله بناء عليه حكم المسألة في التهنئة بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك. مما يدل على صحة هذا الأصل في حكم تهنئة الكفار، وأنه ليس تفصيلا مبتدعا ولا مبتورا عن أصول الدين.
ثانياً: تنبه أن ابن القيم لما نقل الاتفاق على تحريم التهنئة بأعياد الكفار الدينية علل ذلك بأنه يدل على التهنئة على الكفر، ومعنى ذلك أن هذا هو سبب التحريم عنده.
والحق أن هذا التعليل حتى لو لم يذكره ابن القيم للزم أن نذكره نحن دليلا لصحة قوله؛ لأنه لا دليل على التحريم سواه أصلا، كما سبق!
وحينئذ أقول: لا يقول قائل إن قول المسلم للكافر في عيده الديني: ((أسعدك الله ومتعك بالعافية وهداك للتصديق بالإسلام)) فيه تهنئة له بالكفر ويدل على الرضا عن دينه. ولا يقول عاقل أيضا: إن هذه العبارات ليست تهنئة، فقد قال ابن القيم (الذي احتجوا بكلامه على مطلق التحريم): ((إلا أن يقول أكرمك الله بالإسلام وأعزك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة)).