تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري: "وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثلهم، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله. فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه".

قال: "وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسَقة، عند خوضهم في باطلهم".

ويقول الحافظ ابن كثير في هذه الآية: "أيْ: إِذَا ارْتَكَبْتُمِ النَّهْيَ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُكْفَرُ فِيهِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيُسْتَهْزَأُ وَيُنْتَقَصُ بِهَا، وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، أَيْ: فِي الْمَأْثَمِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَار عَلَيْهَا الخَمْر) ".

قلت: فإذا كان الجلوس معهم فيما يخوضون فيه محرّم ولا يجوز الجلوس معهم في ذلك، فهل يجوز أن أهنئهم فيما يقولونه أو يفعلونه؟!!

هل يجوز أن أقول لمن يشرب الخمر: أنا أهنئك على شربك للخمر؟!!

فتهنئة الكفّار بهذا العيد الكفري فيه إقرار - ولا بد - عما يحتفلون به، وهذا لا يختلف عن الجلوس معهم إذا كانوا يخوضون في الكفر ويستهزؤون بآيات الله وأنت تستمع إليهم!! ونحن لسنا في حالة الإكراه وغيره حتى نجاملهم ونهنئهم بهذه الأعياد.

ثم إن هذا العيد هو خصوصية لهم، فهم يحتفلون به بطريقتهم وبشعائرهم الخاصة، كما أننا نحتفل بأعيادنا بطريقتنا الخاصة، وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه-: «لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ وَهَذَا عِيدُنَا»، وعليه فلا يجوز أن نقلدهم في أعيادهم أو نخوض معهم فيها أو في أي شيء يتعلق بها.

وعندئذ فكيف تكون التهنئة غير حضور وشهود أعيادهم؟!!

فهذه طرق أهل العلم في الاستدلال لا الفلسفة والسفسطة واللف والدوران!

وأما التحدي الذي عرضه الدكتور فهو يدل على بضاعته المزجاة وغروره، وما هكذا تورد يا سعد الإبل! فالعلم له أصوله ولا يقوم على التحدي بعدم وجود نص في مسألة من المسائل! ولو فتحنا هذا الباب لهدمنا أحكاماً كثيرة قد أجمع عليها أهل العلم، فالله المستعان.

يقول العلامة ابن عُثيمين - رحمه الله- في تهنئة الكفّار: "ومن فعل شيئاً من ذلك فهو آثم، سواء فعله مجاملةً أو تودُّدًا أو حياءًا أو لغير ذلك من الأسباب؛ لأنه من المداهنة في دين الله، ومن أسباب تقوية نفوس الكفار وفخرهم بدينهم". [مجموع فتاوى الشيخ العثيمين: 3/ 46].

· تلبيسٌ وتدليسٌ!!

التاسعة: قوله: "وهنا أنبه أنه لو كان هناك من حرم التهنئة من السلف، فمجرد الوجود لا يدل على حصول الإجماع؛ فإن عدم العلم بوجود من أباحها لا يدل على عدم وجوده في الواقع (عدم العلم لا يدل على العدم)، خاصة في مثل هذه المسألة، التي تفتقر للنقل فيها لمن قال بالتحريم من السلف، والذي لا بد أن يكون نقلا يدل على شهرة هذا القول بينهم، حتى يمكن الاستدلال بعدم وجود المخالف على عدم وجوده، ظنا غالبا أو يقينا.

فللإجماع السكوتي شرط لصحة الاحتجاج به، وهو غير متوفر في هذه المسألة! فيكفيك ضعف النقل فيها في جانب التحريم الذي تدعي عليه الإجماع".

أقول: يسعى الدكتور إلى هدم الإجماع في هذه المسألة، فيحاول أن يزعزع ذلك بهذه السفسطات!! وهذا الذي قاله ضربٌ من الخيال والأوهام! وهو حجّة كل إنسان يريد أن يشكك في اتفاق أهل العلم.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٠٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٠٣٠